تريث حسن قائلا قبل أن يجيب قائلا: لعلي لا أرتاح إلى ذلك كل الارتياح، ولكني لا أجد فيه مأخذا وهي تمارسه على مرأى من أخيها ومن الجميع وبحكم تربيتها الأوروبية، ولا أخفي عليك أني فكرت أحيانا في مكاشفتها بامتعاضي ولكني كرهت أن ترميني بالغيرة، وكم تود لو تثير غيرتي! أنت تعرف طبعا هذه الحيل النسائية، وأعترف لك بأني لا أستسيغها.
لا عجب أن إثبات دوران الأرض حول نفسها وحول الشمس قد أطاح بأوهام ودوخ رءوسا. - كأنها تتعمد مضايقتك!
فقال حسن بلهجته الناطقة بالثقة: على أنه في وسعي دائما أن أحملها على الإذعان لمشيئتي إذا أردت.
أثارته هذه الجملة واللهجة التي قيلت بها إلى حد الجنون، وتمنى لو يجد سببا يعتل به على ضربه ليمرغه - وإنه لقادر - في التراب، ولحظه من عل فلاح له الفارق بين طوليهما أكثر من الواقع بكثير، لم لم تحب أيضا الذي دونها سنا؟ وآمن قلبه بأنه خسر الدنيا.
ودعاه حسن إلى تناول الغداء على مائدته، فاعتذر شاكرا، ثم تصافحا وافترقا.
عاد فاتر النفس مثقل القلب بالقنوط، وكان يود أن يخلو إلى نفسه ليحتضن أحداث يومه متأملا حتى يستصفي معانيها كلها، بدت الحياة متلفعة بثوب حداد، ولكن ألم يكن يعلم من أول الأمر أن هذا الحب ضائع؟ فأي جديد جلجلت به الحوادث؟ على أي حال ليكن عزاؤه أن الآخرين يتكلمون عن الحب، أما هو فيحب ملء قلبه. إن الحب الذي ينور روحه لا يستطيعه أحد سواه، فهذا هو امتيازه وتفوقه، ولن يتخلى عن حلمه القديم بأن يظفر بمعبودته في السماء، في السماء حيث لا فوارق مصطنعة ولا رأس كبير ولا أنف غليظ، في السماء ستكون عايدة لي وحدي بحكم قوانين السماء.
20
كأنه لم يعد له وجود، تجاهلته بحال لا يمكن أن يتأتى إلا عن تعمد، فطن إلى ذلك أول ما فطن إليه صباح الجمعة التالي - بعد مضي أسبوع على حديث حسن سليم بشارع السرايات - في اجتماع الأصدقاء بكشك الحديقة بسراي آل شداد. كانوا يتحادثون فجاءت عايدة كعادتها مصطحبة بدور، لبثت عندهم قليلا تخاطب هذا وتداعب ذاك دون أن تعيره التفاتا، فظن أول وهلة أن دوره سيجيء. ولكن طال به الترقب، ولاحظ إلى هذا أن عينيها لا تريدان أن تلتقيا بعينيه أو لعلهما تجتنبانه؛ فخرج عن موقفه السلبي، واعترض حديثها بملاحظة عابرة ليحملها على مخاطبته، ولكنها واصلت الحديث متجاهلة إياه، ومع أن أحدا لم يتنبه فيما بدا إلى مناوراته الفاشلة - لانهماكهم في الحديث المحبوب - فإن ذلك لم يخفف من وقع اللطمة التي تلقاها من غير أن يدرك لها سببا، غير أنه مال إلى تكذيب ما قام بنفسه ودارى شكوكه، وجعل يتحين الفرص لتجربة حظه من جديد، وهو من الإشفاق في غاية، وإذا ببدور تحاول الإفلات من يد عايدة ملوحة له بيدها المطلقة، فتقدم منها ليأخذها بين ذراعيه، ولكن عايدة جذبتها نحوها وهي تقول: «آن لنا أن نذهب!» ثم حيتهم ومضت إلى حال سبيلها.
آه، ما معنى هذا؟ إن عايدة غضبانة عليه، وما أرادت بمجيئها إلا أن تعالنه بغضبها، ولكن فيم آخذته؟ أي ذنب جنى؟ أي هفوة كبيرة أو صغيرة أتى؟ يا لها من حيرة هزئت بمنطقه وشتتت يقينه، بيد أنه قبض على زمام نفسه بيد قوية أن تفضحه شجونه، وكان على ضبط النفس قادرا، فمثل دوره المألوف تمثيلا حسنا ، ووارى أثر الضربة القاصمة عن أعين الصحاب، وقال لنفسه بعد تقوض المجلس: إنه يحسن به أن يواجه الحقيقة مهما تكن قاسية، وأن يسلم بأن عايدة حرمته - اليوم على الأقل - من نعمة صداقتها. إن في قلبه العاشق مسجلا كهربائيا دقيقا لا يترك للحبيب همسة أو خطرة أو لمحة إلا سجلها. حتى النوايا يطلع عليها، وحتى الآتي البعيد يبتدهه، ليكن السبب ما يكون، أو ليكن الأمر بلا سبب كمرض استعصى على الطب سره، فإنه في الحالين يرى كأنه ورقة شجر انتزعتها ريح عاتية من فنن غصن، وألقت بها في غث النفايات.
ووجد فكره يحوم حول حسن سليم، ألم يختم حديثه معه بقوله: «على أنه في وسعي دائما أن أحملها على الإذعان لمشيئتي إذا أردت»؟ ولكنها جاءت اليوم كعادتها، إن بلواه من تجاهلها إياه لا من غيابها، ثم إنه وحسن افترقا على صفاء، وليس ثمة ما يدعو حسن إلى مطالبتها بتجاهله، وليست هي بالتي تمتثل أمر إنسان مهما يكن شأنه، وليس هو بالمذنب، فما سر التجني يا رب السماوات؟ إن لقاء الكشك - بينه وبينها - على قسوته، وعبثه الجارح برأسه وأنفه وكرامته، لم يخل من مودة ودعابة، ثم ختم بما يشبه الاعتذار، ربما يكون قد قضى على أمله في الحب، ولكنه لم يكن في حبه أمل، أما لقاء اليوم فابتلاه بالتجاهل، بالنبذ، بالصمت، بالموت، ولأن يجفو الحبيب أو يقسو خير على أي حال من أن يمر بعابده وكأنه شيء لم يكن، يا للتعاسة! ألم جديد يضاف إلى معجم الآلام الذي يحمله على صدره، ضريبة جديدة للحب، وما أفدح ضرائبه! يؤدي بها ثمن النور الذي يضيئه ويحرقه.
Halaman tidak diketahui