Abad Kesembilan Belas
القرن العشرون
Genre-genre
فعند هذا الفريق من القائلين بالمصادفة أن المصادفة هي القوانين الطبيعية ذاتها، وأن القوانين الطبيعية إنما تولدت من المصادفة بغير تدبير مقصود.
قال أحد هؤلاء: إننا لو فرضنا أن فردا أمام صناديق الحروف يرتبها جزافا على كل وضع محتمل لتكونت منها في وضع من الأوضاع كتب مفهومة كإلياذة هوميروس؛ لأن الإلياذة مجموعة من الحروف على وضع من الأوضاع لا بد أن ينتهي إليه التعديل والتبديل في ترتيب حروف الصناديق على طول الزمن، وليس أطول من الزمن الذي مضى على الكون مضطربا متقلبا بين ألوف الألوف من الأشكال والقوالب التي تتناسق أحيانا، وتتضارب أحيانا، ولا بد لها من التناسق على شكل من تلك الأشكال في وقت من الأوقات.
وهذا القول ضرب من التخمين يستلزم وجود التدبير وراء ذلك التبديل أو التعديل؛ لأنه يستلزم «أولا» أن يجري التبديل أو التعديل في وضع الحروف على كل وجه محتمل، ولا يدع وجها واحدا يتخيله الذهن إلا صار إليه ثم عدل عنه إلى غيره، ويستلزم «ثانيا» أن يكون هناك اجتناب متعمد للخطأ، وأن يكون ذلك الخطأ معروفا بالنسبة إلى الصواب المقصود في النهاية، وإلا فإن الفرد يمكن أن يقع في أخطاء متعددة ويعود إليها أو إلى مثلها بغير نهاية، فإن قدرنا أن ذلك لا يقع فنحن نقدر إذن أن هناك تدبيرا يقود يديه ويوحي إليه أن يختار ترتيبا بعد ترتيب على كل وضع يخطر على البال، وقد يضع الألفات في موضع الياءات، أو يضع الحروف جميعا في عين واحدة، فلا يؤدي تكرار وضعها إلى نسق تتألف منه الكلمات، وإن مصادفة كهذه المصادفة لهي أدل على الغاية والاستقامة على طريقها من قول الذين يقررون قيام القوانين من البداية، هكذا بطبيعة مستقرة في أصل الوجود، وهو قول غريب - ولا ريب - ولكنه أقل غرابة من الخطأ الذي يتكرر على وجه، ولا يعود إلى الخطأ مرة أخرى، ولا يدع احتمالا واحدا إلا استقصاه كأنه يحصي جميع الاحتمالات بغير نسيان ولا إخلال.
وآخرون يقولون: إن القوانين ليست بقوانين في لبابها، وإنما نحن جزء من هذا الكون نلائمه ويلائمنا، ولا بد أن نشعر بالوفاق بين وجوده ووجودنا، فنسمى هذا الوفاق قانونا وما هو بقانون، إنما نحن مستقرون في عالم من العوالم، وهذا الاستقرار هو العلاقة القائمة بيننا وبين عالمنا، نسميها نظاما وليست هي بنظام في جميع الأحوال، وعلى جميع التقديرات.
وفحوى كلام هؤلاء أن القانون لا يوجد وليس من طبيعته أن يوجد، وأنه إذا وجد، فمن الواجب ألا نكون نحن موجودين على وفاق معه؛ لأن هذا الوفاق يلغي تصورنا للقانون في جميع الأحوال، وعلى جميع التقديرات ، وفحوى هذا الكلام مرة أخرى أننا بين عالمين لا يتشابهان: عالم نستقر فيه ولا يوجد فيه القانون، وعالم يوجد فيه القانون ولا قرار لنا فيه. •••
وعلى أي معنى من هذه المعاني فهمنا المصادفة، نرى أنها حل قاصر عقيم، أو نرى أنها في نهايتها إغضاء عن الحلول، وبحث موقوف كأنه إلقاء للعبء عن الكاهل في منتصف الطريق، مع تجاهل البقية الباقية من الطريق، فليست المصادفة إذن أقرب الحلول ولا أضمن المواقف، وليست هي كما يحسب أصحابها أمانة علمية تنتهي عند حدود المعرفة الإنسانية؛ لأنها في هذا الباب أقل من حرف «س» الذي يشير إلى المجهول، ويتركه مجهولا إلى حين، فإن حرف «س» أمانة علمية لا شك فيها من جانب الباحث الذي يجهل الحل ويعترف بجهله إياه، ولكن المصادفة جزم برأي ونفي لرأي مخالف له، وهو الرأي القائل بالتدبير، ومن جزم بهذا الرأي بغير دليل قاطع ينفي ما عداه، فليس له أن يسمي ذلك أمانة علمية، وإن كان من العلماء الأمناء.
إنما الأمانة في مسألة كهذه أن نقف منها موقفنا من الأرصاد الجوية التي تصيب وتخطئ، وقد تخطئ أكثر مما تصيب، وهي - مع ذلك - تنبئنا عن ظواهر طبيعية محكومة بقوانينها التي لا يمتري فيها باحثان، فما من عالم يقول: إن الرياح وأشعة الشمس وعوارض المد والجزر وحرارة القشرة الأرضية وطبقات الجو العليا تندفع بغير ضابط وتسكن لغير سبب، وما من عالم يزعم أن النبوءة عنها مستحيلة مع الوقوف على جميع أسبابها وعواملها، غير أن الرأي السليم فيها أن نفهم أنها عوامل طبيعية قابلة للتقدير الدقيق بجميع تفصيلاتها وتقلباتها، ولكننا لا نحيط بها جميعا، ولا نحقق النتائج على صحتها؛ لأننا لا نحقق الأسباب على صحتها، وهي هي تلك العوامل المحسوسة المتكررة الخاضعة للمراقبة والتسجيل في مواقعها من الأرض والفضاء.
ونحن نسمح لأنفسنا بالجهل في أمثال هذه الظواهر الطبيعية، ونسمح لأنفسنا بالتردد في الحكم عليها، ونقرر وجود الضوابط لها، ونحن عاجزون عن ضبطها، فأحرى بنا أمام العوارض التاريخية التي تتسع لمجهولات الطبيعة الظاهرة والباطنة أن نقف منها موقفا كهذا الموقف، وأن ندين بالأمانة العلمية على هذا النحو، فلا نزيد عن حرف «س» الذي يرمز إلى المجهول، حتى نستبدل به جوابا أقرب إلى الوضوح والبيان.
ولسنا نريد أن نخطو خطوة واحدة وراء الحد الذي تسمح به الأمانة العلمية حين نفضل القول بالتدبير على القول بالمصادفة العمياء، ولكننا نريد أن نضيف النظريات العلمية إلى التجارب المقررة؛ لأن الأمانة العلمية تقضي علينا بأن نطرق كل باب من أبواب التفسير، ولا نغلق بابا منها بغير برهان.
إن الأرصاد لم تثبت لنا شيئا قاطعا عن حركات الكهارب والنويات، وعن السوالب منها والموجبات، والمتردد منها بين السلب والإيجاب، تارة إلى هذا وتارة إلى ذاك، ولكننا أضفنا النظريات إلى التجارب فيما نعلم عنها، فصح التقدير في كثير من الأحوال.
Halaman tidak diketahui