Nuzhat Absar

نزهة الأبصار في مناقب الأنصار لابن الفراء

Wilayah-wilayah
Syria
•
Empayar & Era
Ayyubid

الحمد لله الذي لا يفتح كل أمر ذي بال إلا بحمده الكريم، الذي لا تستمنح النعم إلا من لدنه، ولا ترتجى إلا من عنده، أحمده حمدا أستوهب [به] جميل صنعه وجزيل رفده، وأشكره شكرا ينجز من زيادة خيره كريم وعده. وأصلي على سيدنا محمد نبيه ورسوله وعبده وعلى آله وأصحابه الأئمة الخلفاء من بعده، وعلى أزواجه وذرياته وكافة أصحابه المهتدين بهديه، الموفين بعهده.

ورضي الله على المتقدمين كتابا وسنة، المتبوئين بما لهم من الأثر الكريمة أعلى المنازل في الجنة، المشهود لهم بسابق الفضل الذي لا يدرك مداه، ولا يبلغ منتهاه، ولا ينتهي لحده المنظوم، ذكرهم الكريم واسطة في سلك البيان، وعقده المعلوم عجز الخطباء وقصور بلاغة البلغاء عن إحصاء مالهم من أثر في الصالحات، وعدة المهاجرين أشرف العرب نسبا، وأقواهم بما اختصوا به من السابقة والهجرة والنصرة [والهداية] والصهر والخلافة والشورى حبلا وأمتنهم سببا، فلدرجتهم رضي الله عنهم المزية والسبق، ولهم على غيرهم الواجب والحق.

Halaman 93

وأرض اللهم عمن سبقت لهم السعادة من جلالك، المتفئيين من سابق عنايتك مديد ظلالك، السابقين بشهودهم بيعة العقبة رجالا عدة الذين تبوءوا الدار والإيمان، وآثروا على أنفسهم في معظم الشدة، الفائزين بسابقتي النصر والإيواء، المجتمعين على إعلاء كلمتك باتفاق القلوب واجتماع الأهواء، أنصارك وأنصار رسولك صلى الله عليه وسلم ، الذين اصطفيتهم له أصحابا وإخوانا، وجعلتهم أنصارا على إظهار دينك وأعوانا، فقر الإسلام بهم عينا، واحتل من ذراهم الرفيع وحماهم المنيع حرما وأمنا.

وأستوهب من الله جل جلاله لوارث شرفهم اليمني وقسيمهم في النسب الأنصاري المدني، مولانا الغالب بالله، المجاهد في سبيله، أمير المسلمين وناصر الدين، أبي عبد الله محمد بن يوسف ابن نصر، تمهيدا يمد على البسيطة ظلاله، وتأييدا يبلغه في حياطة الإسلام وأهله وآماله.

Halaman 94

وأسأله عز وجل لولي عهده وسليل مجده، مقتفي آثاره الواضحة، الجاري [في الكفاية والحياطة] والحماية على الأخذ بتلك الأفعال الناجحة والأعمال الصالحة، مولانا الأمير الأجل الهمام الأوحد الأسعد [الأعلى] أبي عبد الله [محمد] دوام الشرف الذي أحرز كنهه وحقيقته، وزيادة الخير الذي يسره الله تعالى للعمل به، فأنتهج سبيله وسلك طريقه، واستدامة الفضل الذي فتح مقفله، وأوضح مبهمه ومشكله، ونهج بصالح الأعمال سبله، حين لم يثن عنانا، ولا أعمل خاطرا ولا جنانا إلا لمصلحة جر نفعها للإسلام [وتذليل صعاب تلقته بالخضوع والاستكانة والانقياد والاستسلام]. إعزازا له وإكراما وإشعارا بسعده الثاقب ويمنه المتعاقب وإعلاما، فأعلى الله يده، وفسح للإسلام وأهله أمره وكافأ مذهبه الجميل في نظم الشتات والعمل الذي عاد بإحياء الأرض الموات ومقصده.

Halaman 95

أما بعد: فإن من أنجح الوسائل وأنفع مما تقرب به الراغب والسائل، التوسل إلى الله تعالى بمن سبقت لهم العناية والحظوة من هذه الأمة، والاستشفاع لجلاله جل وعز بأوليائه المخلصين وخاصته المقربين، أولي المكنة والكرامة والعز والوجاهة والحرمة، ولا أحد بعد أنبياء الله ورسله صلوات الله عليهم أفضل ممن أثنى الله عليه ورسوله، وثبت بالكتاب والسنة تزكيته وتعديله وإيثاره وتفضيله، وهم الصفوة الأخيار والأتقياء السادة الأبرار، الرحماء بينهم، الأشداء على الكفار، أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، المهاجرون ثم الأنصار [رضي الله عنهم].

Halaman 97

فحق على كل من علم مكان عزهم وقربه، أن يتوسل إلى الله تعالى بهم، ويتقرب إليه جل جلاله [وعظم سلطانه] بما ينطوي عليه الضمير من حبهم، ولا خفاء بانتظام هذا الجزء في سلك الديانة وإن من شروط صحة إسلام المرء أداء هذه الأمانة لأن حبهم إنما يرجع إلى حب الله ورسوله، وإلى ذلك ينتهي بناهج طريقه وسالك سبيله.

وبحسب ما يقرع الأسماع من نشر مآثرهم ومفاخرهم، وتسمعه الآذان من حسن مواردهم في أحوالهم الكريمة ومصادرهم، ويرد عليها من ذكر فضائلهم ومناقبهم، تبصر أعين البصائر علو درجاتهم في الفضل وأقدارهم، وتتضاعف أسباب المحبة بالوقوف على حميد سيرهم وجميل آثارهم.

وقد قام الناس بهذه الوظيفة الجليلة، وانتهزوا الفرصة في اغتنام هذه الغنيمة، وإحراز هذه الفضيلة، فنشروا من ذلك ما لا يتغير بطول المدة، ولا يزيد مع تعاقب الأيام إلا جمالا وبهاء وجدة.

Halaman 98

غير أني رأيت بعض من: تعرض لذلك من المتأخرين، نقصه ذكر الأنصار بعد ذكر المهاجرين، فقصدت تتميم ذلك القصد، واستدراك ما أغفله في ذلك الحد، ثم إني لما عجزت عن معارضته في حسن مساقه، والوقوع على ما غاص من تفسير درره وفاخر أعلاقه، لم أتعرض لإدراك مداه، ولا تعاطيته أن أحل نفسي بعلي منتداه، فانتزعت خلاف منزعه، ومشيت على غير منهجه المسلوك ومهيعه.

وإذا حصل المقصود والحمد لله، فلا مبالاة بارتكاب الطرق المسلوكة ولا عبرة بالسبل المأخوذة في ذلك أو المتروكة.

وقد أوردت ما أثبت من ذلك بمن الله تعالى، معتمدا فيه على تجريد الصحيح من الأثر وانتقائه، مضموما فيه الشكل إلى شكله، مجعولا بإزائه مسوقا بحذائه.

Halaman 99

وضمنته نبذا من النسب والتفسير والأثر والفضائل والمناقب، موصولا ذلك ببيان المشكل وشرح الغريب، نظمت ذلك كله عقودا، وأقمت عليه من انتقاء المتخير بينة عادلة وشهودا، فجاء بفضل الله تعالى مرهف الحد، محكم العقد، لا يلين عن غمز النقد، ولا يقف بموقف من مواقف الرد.

وحصرت الكلام فيه في خمسة أبواب:

الباب الأول: في ذكر نسبهم.

الباب الثاني: في ثناء الله تعالى عليهم.

الباب الثالث: في ثناء رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا عليهم.

الباب الرابع: في مناقب آحاد منهم رضي الله على جميعهم

الباب الخامس: في فضل بلدهم.

وسميته ((نزهة الأبصار في فضائل الأنصار))، تسمية استحقها وصفه، واستوجبها نظمه وجمعه، ومن الله تعالى أسأل أن يجعل ذلك من العمل المرفوع إليه، المقرب منه، المزلف لديه بمنه وفضله.

Halaman 100

الباب الأول في ذكر نسبهم رضي الله عنهم

Halaman 101

لا خلاف بين أهل العلم بالأنساب أن العرب [كلها] يجمعها أصلان: عدنان وقحطان، فإلى هذين الأصلين ينتمي كل عربي في الأرض.

ولا خلاف أيضا بين جماعة أهل العلم بالنسب وأيام العرب أن عدنان من ولد إسماعيل بن إبراهيم صلى الله عليهما.

وإنما الخلاف في قحطان، فمنهم من ينسبه إلى إرم بن سام بن نوح عليه السلام، ومنهم من ينسبه إلى إسماعيل صلوات الله عليه.

Halaman 103

قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر رحمه الله: ((يشهد لقول من قال قحطان وسائر العرب من ولد إسماعيل عليه السلام قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لقوم من أسلم والأنصار: ((ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميا ..)) وأسلم هو [ابن] أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((العرب كلها من ولد إسماعيل إلا جرهم فإنهم من [عاد] [وثقيف فإنهم من ثمود] وقبائل من حمير فإنهم من تبع))، لكنه ضعف إسناده.

Halaman 104