Nasrat al-Tha'ir 'Ala al-Mathal al-Sa'ir

نصرة الثائر على المثل السائر

Wilayah-wilayah
Syria
•
Empayar & Era
Mamluk
بسم الله الرحمن الرحيم
عفوك اللهم
الحمد لله الذي فطر عقول البشر متغايرة، وجعل النفوس برأيها عل نقطة الرضى دائرة، وزين لها أعمالها حتى توهمت أنها في الأمثال السائرة.
أحمده على نعمه التي أوضحت ما أبهم وألبس، وأبدت نار الهدى التي لم تكن بسوى أنامل الذوق تقبس، وراضت جواد الانتقاد الذي إذا أم غاية لم يثن عنانه ولم يحبس. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة يسجع بها حمام اللسان من اليقين على أراكه، وتنجي قائلها من الوقوع في حبائل الشرك وأشراكه، وتكون له ذخيرة إذا عدم سكونه بعد حراكه. وأشهد أن محمدا سيدنا وعبده الذي عصمه الله من الخطأ في القول والعمل، وحرس به سرح الفصاحة ولولاه لاختلط المرعى بالهمل، وآتاه من جوامع الكلم ما لم تطمح إليه عين أمنية ولم تطمع فيه يد أمل، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين هابتهم الأساود وخافتهم الأسود، وتجانست أفعالهم فما منهم إلا من يجول ويجود، ويسوس ويسود، وتبرأت شيمهم من النقائص فلم يكن فيهم مختال ولا متكبر ولا حسود، صلاة تتبسم عن ثغرها شفة الفجر في لعس الظلام، ويتلثم بنورها وجه البدر في عرس التمام.
وبعد: فإن كتاب المثل السائر للصاحب ضياء الدين بن أثير الجزيرة، عامله الله بلطفه، وسامحه بما هزت به نسمات الخيلاء من غصن عطفه، من الكتب التي خفقت له في الاشتهار عذبات أوراقه، وسعى القلم في خدمته على رأسه إذا سعى الخادم على ساقه. واشتهر بين أهل الإنشاء اشتهار الليل بالكتمان والنهار بالإفشاء، لا بل اشتهار بني عذرة في الحب بتحرق الأحشاء، وأولع به أهل الأدب في الآفاق ولع الكريم بالإنفاق، لا بل ولع الرقباء بالعشاق.
إلا أن واضعه ﵀، وان جمع فيه العلم والعمل، وسجع فيه بين الثقيل والرمل، وتوهم أن بدر فضله قد تم وكمل، وتخيل أن جيد الإنشاء بعده قد عطل، وفنه قد خمل، قد أذهب حسناته النادرة، بتوالي سيئاته البادرة، وأضاع تلك الزهرات الفذة، في قفار الدعاوى التي لا يجد فيها السالك لذة، وطال على الناس بعد هلاله سواد ليله، ورفضوا مواقع طله لغثاء سيله. ونعم فإنه:
ما الجزع أهلٌ أن تردّد نظرةٌ ... فيه وتثنى نحوه الأعناق
لأنه أفنى ذلك البسط في الإعجاب بنفسه والإطراء، وأطال في الغض من أبناء جنسه والازدراء، وظن أن الله قد حرم الفصاحة على من يأتي من بعده، وأن الذين من قبله إما شيخ قد خرف في هرمه، وإما طفل يعبث في مهده. وجر رداء الكبر والخيلاء مخيطا بإبر الحمد، وبالغ في ذلك مبالغة أبي زبيد الطائي في وصف الأسد. ووصف نفسه ولا وصف امرىء القيس لأفراسه، ومدحها ولا مدح أبي نواس سلافة كاسه، وكرر ذلك فغثى النفوس بذلك الغث، وزاد حتى رثى القلق ثوب الصبر لمارث.
قال رسول الله ﷺ: احذروا ثلاثا: الحرص فإنه أخرج آدم من الجنة، والكبر فإنه حط إبليس عن مرتبته، والحسد فإنه دعا ابن آدم إلى قتل أخيه.
وقال ﷺ: إن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب ويقال: إنه أول ذنب عصي الله به في السماء والأرض. وقال النبي ﷺ حاكيا عن الله ﷿: الكبرياء ردائي فمن نازعنيه أدختله النار. وقال جعفر بن محمد: علم الله أن الذنب للمؤمن خير من العجب، ولولا ذلك ما ابتلي مؤمن بذنب.
وقال بعض الحكماء: البلية التي لا يؤجر المرء عليها العجب، والنعمة التي لا يحسد عليها التواضع.
ومما قيل: لا شيء أكتم للمحاسن من التيه والعجب.
هذا إلى ما في الكتاب من فلتات عديدة، واختيارات غير موفقة ولا سديدة، ونصر باطل، وتحلية عاطل، وترجيح ما ضعف ووهى، وتوهين ما تحرر وانتهى.
مساوٍ لو قسمن على الغواني ... لما أمهرن إلا بالطّلاق
وكنت أقف على أطلالها عند المراجعة ناديا، وأعثر في أذيالها حين المطالعة غالبا، وأتأوه لانفراد تلك اللآلىء في سلوك السبج، وأستطيل سواد لياليه والصبح من محاسنه ما أسفر ولا انبلج.
وبلغني ما وضعه عز الدين بن أبي الحديد ﵀ على الكتاب من المؤاخذة، وأنه استصرخت به تلك الظلامات عائذة. فلما وقفت على الفلك الدائر وجدته قد أغفل كثيرًا، وأخذ قليلا وترك أثيرا. فأحببت بعد ذلك أن ألتقط ما غادره، وأتتبع شاذه ونادره.

1 / 1

وعليّ أن أقضي صلاتي بعدما ... فاتت إذا لم أقضها في وقتها
على أنني بعد ابن أبي الحديد كمن جاء بعد اجتحاف سيل، وأصبح بعد قاطف النهار حاطب ليل. فإن هذا الرجل له تصانيف تدل على تمكنه واطلاعه، وسداد مراميه عند مد باعه، وريه من الفنون وقيامه بها واضطلاعه. منها تعليقان على المحصل والمحصول للإمام فخر الدين وتعليقة ثالثة على الأربعين لفخر الدين، ونظم فصيح ثعلب نظما جيدا في يوم وليلة، وهذا الفلك الدائر علقه في ثلاثة عشر يوما مع أشغال ديوانه.
وكتب إليه أخوه موفق الدين ابن أبي الحديد لما وضع الفلك الدائر:
المثل السائر يا سيدي ... صنفت فيه الفلك الدائرا
لكنّ هذا فلكٌ دائرٌ ... أصبحت فيه المثل السائرا
ووضع على نهج البلاغة شرحا في ستة عشر مجلدا، وناهيك بمن يتصدى لنهج البلاغة ويشرحه، ويأتي على ما يتعلق به من كل علم: أصولا وفقها وعربية وتاريخا وأسماء رجال وغير ذلك. ومن وقف على هذا الشرح، علم أنه قل من يدخل معه ذلك الصرح، أو يسام معه في مثل هذا السرح، وحسبك بمن وأخذ الإمام فخر الدين وأورد عليه. ووجدت له أبياتا أولها:
وحقك لو أدخلتني النار قلت لل ... لذين بها قد كنت ممن يحبه
وأفنيت عمري في دقيق علومه ... وما بغيتي إلاّ رضاه وقربه
هبوني مسيئا أوتغ الحلم جهله ... وأوبقه دون البرية ذنبه
أما يقتضي شرع التكرم عفوه ... أيحسن أن ينسى هواه وحبه
أما ردّ زيغ ابن الخطيب وشكه ... وتمويهه في الدّين إذ جلّ خطبه
أما كان ينوي الحق فيما يقوله ... ألم تنصر التوحيد والعدل كتبه
فقلت أنا رادا عليه في وزنه ورويه:
علمنا بهذا القول أنك آخذ ... بقول اعتزالٍ جل في الدين خطبه
فتزعم أن الله في الحشر ما يرى ... وذاك اعتقاد سوف يرديك غبّه
وتنفي صفات الله وهي قديمةٌ ... وقد أثبتتها عن إلهك كتبه
وتعتقد القرآن خلقا ومحدثا ... وذلك داء عزّ في الناس طبه
وتثبت للعبد الضعيف مشيئةً ... يكون بها ما لم يقدره ربه
وأشياء من هذي الفضائح جمةً ... فأيكما داعي الضلال وحزبه؟
ومن ذا الذي أضحى قريبا من الهدى ... وحامى عن الدين الحنيفي ذبّه
وما ضر فخر الدين قولٌ نظمته ... وفيه شناع مفرط إذ تسبه
وقد كان ذا نورٍ يقود إلى الهدى ... إذا طلعت في حندس الشك شهبه
ولو كنت تعطي حق نفسك قدره ... لأخمدت جمرا بالمحال تشبّه
وما أنت من أقرانه يوم معرك ... ولا لك يوما بالامام تشبّه
ونقلت من خط الحافظ اليغموري قال: أنشدني الإمام ركن الدين أبو القاسم لنفسه في عز الدين بن أبي الحديد وقد صنف الفلك الدائر على المثل السائر:
لقد أتى باردا ثقيلا ... ولم يرث ذاك من بعيد
فهو كما قد علمت شيء ... أشهر ما كان في الحديد
وصنف كتابا يرد فيه على ابن أبي الحديد وسماه: نشر المثل السائر وطي الفلك الدائر قلت: هذا ركن الدين أبو القاسم، هو محمود بن الحسين ابن الإمام أرشد الدين الأصبهاني الأصل السنجاري المولد. كان حنفيا يعرف المذهب والأصولين والخلاف والأدب، قرأ على السيف الآمدي وعلى ضياء الدين ابن الأثير، وبطل خرقة الفقهاء وتزيي بزي الأجناد، وتوفي بدمشق في سادس شهر رمضان سنة خمسين وستمائة، ودفن بسفح قاسيون. ومولده في سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة. وقال في انتقاله إلى الجندية أبياتا منها:
فانظر أخا العقل إلى حرفةٍ ... منها هربنا للوغى الجحفل
لو لم تكن أنحس ما في الورى ... لم ترض عنها بالردى الاعجل
وكنت أنا في وقت قد كتبت على المحصل للإمام فخر الدين الرازي أبياتا يحسن هنا ذكرها وهي:
علم الأصول بفخر الدين منتصرٌ ... به نصول بإعجاب وإعجاز

1 / 2

أضحت به السنة الغراء واضحةً ... قد استقامت لمختار ومجتاز
له مباحث كم قد أحرقت شبها ... بشهبها فمن الزاري على الرازي!
وأنشدني من لفظه شيخنا الإمام الحافظ أثير الدين أبو حيان محمد بن يوسف بالديار المصرية سنة ثمان وعشرين وسبعمائة قال: أنشدنا شيخنا النسابة حافظ المشرق والمغرب شرف الدين أبو محمد عبد المؤمن بن خلف بن أبي الحسن الدمياطي يوم الاربعاء الخامس عشر من جمادى الآخرة سنة ثمانين وستمائة بالقاهرة بقراءتي عليه قال: أنشدنا الشيخ العالم الصاحب عز الدين أبو حامد عبد الحميد بن هبة الله بن محمد بن محمد بن حسين بن أبي الحديد المعتزلي ببغداد، ومولده بالمدائن مستهل ذي الحجة سنة ست وثمانين وخمسمائة لنفسه:
لولا ثلاثٌ لم أخف صرعتي ... ليست كما قال فتى العبد
أن أنصر التوحيد والعدل في ... كل مكان باذلا جهدي
وأن أناجي الله مستمتعا ... بخلوةٍ أحلى من الشّهد
وأن أتيه الدهر كبرا على ... كل لئيمٍ أصعر الخد
لذاك أهوى لا فتاةٍ ولا ... خمرٍ ولا ذي ميعة نهد
قول ابن أبي الحديد هنا: لولا ثلاث.. البيت، إشارة إلى قول طرفة بن العبد:
فلولا ثلاثٌ هنّ من لذّة الفتى ... وجدك لم أحفل متى قام عوّدي
فمنهن سبقي العاذلات بشربة ... كميت متى ما تعل بالماء تزيد
وكري، إذا نادى المضاف، مجنبا ... كسيد الغضا، نبهته، المتورد
وتقصير يوم الدجن والدجن معجب ... ببهكنة تحت الخباء المعمّد
ومن شعر ابن أبي الحديد قصيدة بائية من جملة مدائحه في علي بن أبي طالب ﵁:
ألا إن نهج المجد أبيض محلوب ... على أنه جم المسالك مرهوب
هو العسل الماذيّ يشتاره امرؤ ... بغاه وأطراف الرماح اليعاسيب
ذق الموت إن شئت العلا واطعم الردى ... فنيل الأماني بالمنيّة مكسوب
خض الحتف تأمن خطة الخسف إنما ... يبوح ضرام الخطب والخطب مشبوب
ألم تخبر الأخبار عن فتح خيبر ... ففيها لذي اللب الملب أعاجيب
وفوز عليٍ بالعلا فوزها به ... فكلٌ إلى كلٍ مضافٌ ومنسوب
حصونٌ حصان الفرج حيث تبرجت ... وما كل ممتط الجزارة مركوب
تناط عليها للنجوم قلائد ... وتسفل عنها للغمام أهاضيب
منها:
وأرعن موار العنان يمورها ... فلم يغن عنها جرّ مجرٍ وتلبيب
فللخطب عنها والصروف صوارفٌ ... كما كان عنها للنوائب تنكيب
منها
نهار سيوفٍ في دجى ليل عثيرٍ ... فأبيض وضاحٌ وأسود غربيب
ينوح عليها نوح قارون يوشعٌ ... ويذري عليها دمع يوسف يعقوب
بها من زماجير الرجال صواعق ... ومن صوب آذيّ الدماء شآبيب
منها
يمج منونا سيفه وسنانه ... ويلهب نارا غمده والأنابيب
ومن مدائحه في علي بن أبي طالب ﵁، قصيدة أولها:
عن ريقها يتحدّث المسواك ... أرجا فهل شجر الأراك أراك
ولطرفها خنث الجبان فإن رنت ... باللحظ فهي الضيغم الفتاك
شرك القلوب ولم أخل من قبلها ... أن القلوب تصيدها الأشراك
منها
يا وجهها المصقول ماء شبابه ... ما الحتف لولا طرفك الفتاك
أم هل أتاك حديث وقفتها ضحى ... وقلوبنا بشبا الفراق تشاك
لا شيء أقطع من نوى الأحباب أو ... سيف الوصيّ كلاهما سفاك

1 / 3

وهاتان القصيدتان طويلتان، اختصرت منهما ما اختصرت، واقتصرت على ما اقتصرت، طلبا للدلالة على فضله، ومضاء سنانه ونصله. ولكن أدته مواده الغزيرة إلى أن اعتزل وتشيع، وأهمل جانب السنة وضيع. وله نثر أجاد فيه بعض جوده، ولم يكن كنظمه الذي رفع هضبه ووطد طوده. وقد ساق شيئًا منه في الفلك الدائر، ونثر ابن الأثير أقعد منه عند أولى البصائر، ولو حذفه كان خيرا من إثباته، وأمنع له من عجم سهمه وغمز قناته.
فأي قوادم ينهض بها من جاء بعد هذا المتكلم، وأي سيف يفري فريه وهو متثلم، والمعتزلة فرسان المباحث، وممن توفرت لهم الهمم على الجدل وطاوعتها الدواعي والبواعث. ولكن:
قد يدرك المجد الفتى ولباسه ... خلق وجيب قميصه مرقوع
وقد ترك الأول للآخر أكثر مما جاء به، وتفاوتت الأذهان في انتقاد مها الحسن وكواعبه، وأعقب العقل سحابه لما انجلت بصوب سحائبه.
وما عقمت أم الندى بعد حاتمٍ ... لها كلّ يوم في البرية مولود
وقد جمعت ما عثرت عليه من هفوات ابن الأثير في هذه الأوراق، وضربت عليها هذا الفسطاط ومددت هذه الأرواق، وسردتها على الترتيب، وسقتها على ذلك التبويب. وسميت ذلك نصرة الثائر على المثل السائر واخترت هذه التسمية له شارة وإشارة، لأن الثائر لغة هو الذي لا يبقي على شيء حتى يدرك ثاره. وإذا ناقشته في بحث أورده، ونافسته في صالح أفسده، لا أكاد أخلي ذلك الموطن من محاسن أرباب هذا الفن الذين عابهم، وتردد إلى مواقف ذمهم وانتابهم. خصوصا القاضي الفاضل رحمه الله تعالى. فإنه قد عارضه في بعض ما أنشاه، وعاب عليه ما دبجه ووشاه.
وقال السها للشمس أنت خفيةٌ ... وقال الدّجى يا صبح لونك حائل
والسيف مشهور بغير حمائل، والصبح مشهود بغير دلائل. وأين مقاصد الفاضل وبعد مرماه، واختلاسه المعاني بلطف مغزاه وخفي مسراه. هيهات، فإن بينهما من الفرق، ما بين ذل القدم وعز الفرق. ولطف ذلك لا يخفى على ذوق الكاتب الماهر، وحسن معانيه في الباطن أضعاف كلامه في الظاهر.
ولله در ابن سناء الملك إذ يقول على أن غالب ديوانه فيه:
شهد الكاملون بالفضل للفا ... ضل أو كاد يشهد المولود
وعد الدهر أن يجود على الخل ... ق ولكن بمثله لا يجود
وابن قلاقس إذ يقول أيضًا فيه من جملة أبيات:
وأسكرنا بيانا دام حتى ... عجبنا كيف حذّرنا المداما
معان يقعد الفصحاء عنها ... وتسمعها خواطرهم قياما
يتيماتٌ تصدّق في علاه ... مقالة من دعاه أبا اليتامى
وأما ابن الساعاتي فأكثر فيه المدح. من ذلك:
ما من يقيس إليه خلقا مثله ... إلا كمن قاس الوهاد إلى الذّرى
فإذا تقدم في العلاء مفاخرا ... عرف السماك محله فتأخرا
وقد تصدى الناس لابن الأثير كونه ناقض الفاضل، ورمي من ألسنتهم وأقلامهم بمشق سيوف المناظر، ورشق سهام المناضل.
فلا تجزعن من سنّة أنت سرتها ... فأول راضي سنّةٍ من يسيرها
وليس هذا موطن الثناء على القاضي الفاضل، وسوف تقف عليه، وتدلك نفحات طيبه إذا انتهيت إليه.
ومن هنا أجرد عن ساعد المؤاخذة، وأبرى السهام التي أظنها في الغرض نافذة. وعلى الله قصد السبيل، هو حسبي ونعم الوكيل.
الابتداء بالحمدلة
قال ابن الأثير سامحه الله تعالى: نسأل الله أن يبلغ بنا من الحمد ما هو أهله، وأن يعلمنا من البيان ما تقصر عنه مزية النطق وفضله، وحكمة الخطاب وفصله.

1 / 4

أقول: قال رسول الله ﷺ: كل كلام لايبدأ فيه بحمد الله فهو أجذم فلو قال: الحمد لله لكان أفضل. وربما عيب ذلك على الزمخشري في أول المفصل كونه قال: الله أحمد. وعلى الحريري كونه قال: اللهم إنا نحمدك. لأنهما ما افتتحا كلامهما بالحمد. والأولى الأخذ بما جاء عن الله تعالى، فإنه لا مقام للعبد أشرف من الصلاة لأنها عبادة. حتى قال رسول الله ﷺ: أقرب ما يكون من العبد من ربه وهو ساجد. والفاتحة التي هي أم الكتاب والعمدة في الصلاة، إنما افتتحت ببسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين. وقد قال سهل بن هارون: حق على كل ذي مقالة أن يبدأ فيها بحمد الله قبل استفتاحها، كما بدىء بالنعمة قبل استحقاقها. واستعمل ابن الأثير رحمه الله تعالى ذلك في توقيع كتبه فقال: كل كلام لا يبدا فيه بحمد الله فهو أجذم. وقد أورد ابن أبي الحديد على ابن الأثير فيما سأله في هذه السجعة ما فيه مقنع، فليؤخذ ذلك من الفلك الدائر.
وأما السجعة الثانية، فما أدري معنى قوله تقصر عنه مزية النطق، فأي شيء يعلمه حتى تقصر عنه مزية النطق؟ إن أراد بذلك لطف المعاني التي هي أرواح الألفاظ فمتى قصر النطق عن معنى لم تبرزه النفس كاملًا؟ وإن أراد بذلك الأشياء التي تكون على تراكيب الألفاظ من الطلاوة والرونق ذلك غير البيان لأن البيان إيضاح المعاني وإبداؤها وإظهارها، وذلك الذي أردته من الحسن واللطف اللذين يكونان في بعض الكلام، فذلك غير البيان. وهو كالملاحة التي لا يعقل لها معنى ولا يعبر عنه. كما قيل:
شيء به فتن الورى غير الذي ... يدعى الجمال ولست أدري ما هو
ويقال: مع المحبوب شيء آخر غير حسنه هو الذي يشفع له إلى القلوب. ألا ترى أن بعض الصور مفردات أعضائها نهاية في الحسن، وليس لها ذلك المعنى الذي لغيرها. وكذا قيل في الترياق، إنه بعد التركيب يفيض الله عليه خاصة لم تكن في قوة أجزائه حالة الإفراد. والهيئة الاجتماعية لها معنى غير الحالة التي تكون لأفرادها ولا شك أن لكلام الفصحاء في حالة التركيب خواص لا يمكن التعبير عن ذلك الحسن الموجود فيها. ولهذا أفتى الفقهاء فيمن بدل ترتيب الفاتحة، وقلب بعض الآيات إلى موضع بعض أنه لا تصح صلاته، لأنه يبطل إعجاز القرآن العظيم، وهو سياقته على هذا النمط الغريب، وتأليفه على هذا النظم العجيب. وهنا بحث بين الأشعري والمعتزلي، أضربت عنه طلبًا للاختصار. فإن كان ابن الأثير سأل هذه الخاصة، فهذه الخاصة لا يطلق عليها لفظ البيان. وإذا كان الأمر كذا، فقد ثبت أن معنى هذه السجعة غير مفهوم. وقد ناقشه ابن أبي الحديد في قوله النطق وما الذي أراد به فليؤخذ من كتابه.
قال: وعلى آله وصحبه، الذين منهم من سبق وبدر، ومنهم من صابر وصبر، ومنهم من آوى ونصر. وأقول: لو قال: ومنهم من هاجر ونصر لكان أحسن من وجهين: أحدهما أنه يحصل له الموازنة والترصيع بين هاجر وصابر، وثانيهما أنه يتناول المهاجرين والأنصار من الصحابة رضوان الله عليهم، فإنهم مقدمون على الأنصار، وعلى قوله لا ذكر للمهاجرين، فإن من الأنصار من سبق غيره إلى الإيمان.
فإن قيل: قوله صابر وصبر المعنى واحد، قلت: اتبع لفظ القرآن في قوله تعالى: اصبروا وصابروا. فإن الصبر غير المصابرة، لأن المصابرة مفاعلة، وهي مقابلة الفعل من الآخر بمثله. وكأن ذلك زيادة على الصبر الذي يطيقه الإنسان.
عجز الحريري عن إنشاء ما طلب منه
في الديوان
قال وقد ذكر الحريري المقامات رحمه الله تعالى، وأنه صدر عنه مثل هذا الكتاب، ولما استكتب في الديوان أفحم. وساق الحكاية المشهورة. ثم قال: وهذا مما يعجب منه، وسئلت عن هذا فقلت: لا عجب، لأن المقامات مدارها جميعها على حكاية تخرج إلى مخلص، وأما المكاتبات فإنها بحر لا ساحل له، لأن المعاني فيها تتجدد بتجدد حوادث الأيام، وهي متجددة على عدد الأنفاس، ألا ترى أنه إذا كتب الكاتب المفلق عن دولة من الدول الواسعة التي يكون لسلطانها سيف مشهور وسعي مذكور، ومكث على ذلك برهة يسيرة لا تبلغ عشر سنين، فإنه يدون عنه من المكاتبات ما يزيد على عشرة أجزاء، كل جزء منها أكبر من المقامات حجمًا، ثم إذا غربلت خلص منها النصف.

1 / 5

أقول: أما عجب الناس من واقعة الحريري فهي موضع العجب في بادىء الرأي. لأن من يصدر عنه مثل هذا الكتاب الذي لا نظير له في بابه، وهو في الآداب:
شمس ضحاها هلال ليلتها ... درّ تقاصيرها زبر جدها
ثم يتوقف في كتاب يطلب منه فإن ذلك غريب. وأما إذا فكر الإنسان، وعلم أن الإنشاء من باب الفتوح على الإنسان، لم يكن ذلك بعجيب. لأن الله تعالى قد يفتح بذلك في وقت دون وقت. وقد عد الشيخ محيي الدين بن عربي النظم وحسن الكتابة من الفتوح، وما يزال الناس كذلك تارة يفتح عليهم وتارة لم يفتح. والحريري في ذلك الوقت لم يفتح عليه.
على أن الحريري في وقت عمل المقامات كان في بيته مخلى ونفسه، يصوغ ويكسر ويهدم ويبني فإذا نبا به مقام تحول إلى غيره، وإذا تقاعس عليه معنى تركه وجذب ما هو أسلس قيادًا منه. وقد ذكر أن مسودات المقامات كانت حمل جمل. وذلك أمر غير جلوسه في الديوان وأول قدومه، وهو بين جماعة من أرباب الفن، ويقترح عليه معنى لا محيد له عنه، ولا فسحة له في مضيقه، ولا نجاة له من زلله، ولم يكن قد استعد له، لا جرم أنه أفحم وتوقف ونتف عثنونه.
وليس يعاب المرء في جبن يومه ... إذا عرفت منه الشجاعة بالأمس
ولعل ابن الأثير سامحه فيما أورده من كلامه في المثل والوشي المرقوم والمعاني المبتدعة وغير ذلك من نسبة المقامات. فإنه حكى عن نفسه في المثل السائر أنه كان يتلو القرآن العظيم، فإذا مرت به الآية الكريمة ولمح فيها معنى يناسب أن يكون في كذا، بنى عليه كتابًا أو فصلًا وأثبته. أو كما قال. وغالب ما أثبته إنما هو معارضات عارض بها كتب القاضي الفاضل وأبا إسحاق الصابي وهذا من باب عمل المقامات وهو في بيته يطالع على ما يعمله ويتروى ويمحو ويثبت.
وتوهموا اللعب الوغى، والطعن في ال ... هيجاء غير الطعن في الميدان
وأما قوله: إن الكاتب يظهر عنه في المدة التي ذكرها عشرة أجزاء كل جزء أكبر حجمًا من المقامات وإذا غربلت ونقحت كانت خمسا، فهذا تعصب ودعوى لا يقوم عليها برهان، أو جهل بلغ الغاية. وأي ترسل لكاتب تقدم عصره وإلى الآن يجمع له من ترسله مجلدة واحدة تكون كالمقامات يتداولها الناس، ويتعاطون كؤوسها، ويتمثلون بأبياتها وأسجاعها، ويكررون عليها من أولها إلى آخرها، ويبحثون عن عوراتها، وينقبون عن مساوئها، فلا يجدون فيها مغمزًا، ولا يقعون فيها على مطعن. بل تصفوا على السبك، وتجود على الاستعمال.
ويزيدها مرّ الليالي جدةً ... وتقادم الأيام حسن شباب
على أن ابن الخشاب رد عليه أليفاظًا يسيرة وأجابه المسعودي عنها وابن الخشاب أصاب في القليل من القليل، وتعنت في كثير القليل. وكذلك ابن بري وضع عليها نكتا يسيرة.
وناهيك بكتاب اشتهر، وضرب به المثل، وأصبح إحدى الأثافي في علم الأدب، وأصبحت ألفاظه ومعانيه حجة، ونقلت بها النسخ عدد حروفها.
وسار مسير الشمس في كل موضعٍ ... وهبّ هبوب الريح في البر والبحر
وما رأيت ولا سمعت بمن أخذ جزءًا من ترسل، وقرأه على شيخ وحفظه وطلب به الرواية وعلق عليه حواشي لغة وإعراب ومعان. وقد وضع الناس الشروح المبسوطة على المقامات مثل المسعودي فإن له عليها شرحين، والمطرز وابن الأنباري وأبي البقاء وغيرهم ولقد رأيت بعضهم يزعم أنها رموز في الكيمياء، ويحكى أن الفرنج يقرؤونها على ملوكهم بلسانهم ويصورونها ويتنادمون بحكاياتها.
وما ذاك إلا أن هذا الكتاب أحد مظاهره تلك الحكايات المضحكة، والوقائع التي إذا شرع الإنسان في الوقوف عليها، تطلعت نفسه إلى ما تنتهي إليه، وتشوقت نفسه إلى الوقوف على آخر تلك القصة. هذا إلى ما فيها من الحكم والأمثال التي تشاكل كتاب كليلة ودمنة وإلى ما فيها من أنواع الأدب وفنونه المختلفة وأساليبه المتنوعة.
حكى لي الشيخ فتح الدين محمد بن سيد الناس عن والده أبي عمرو عن أبيه أبي بكر قال: قلنا لابن عميرة كاتب الأندلس: لأي شيء ما تصنع مثل المقامات؟ فقال: أما الألفاظ فما أغلب عنها، وأما تلك الأكاذيب التي تكذبها فما أحسن أن أضع مثلها.

1 / 6

وسمعت القاضي شهاب الدين محمودا رحمه الله تعالى حين قراءة هذا الكتاب عليه يحكي أن القاضي الفاضل رحمه الله تعالى أراد معارضتها، وصنع ثلاث عشرة مقامة عارض كل فصل بمثله حتى جاء إلى قول الحريري في المقامة الرابعة عشرة: اعلموا يا مآل الآمل وثمال الأرامل، أنني من سروات القبائل، وسريات العقائل. لم يزل أهلي وبعلي يحلون الصدر، ويسيرون القلب، ويمطون الظهر، ويولون اليد. فلما أردى الدهر الأعضاد، وفجع بالجوارح الأجساد، وانقلب ظهر البطن، نبا الناظر، وجفا الحاجب وذهبت العين وفقدت الراحة، وصلد الزند، ووهت اليمين، وبانت المرافق، ولم يبق لنا ثنية ولا ناب. فمذ اغبر العيش الأخضر، وازور المحبوب الأصفر، اسود يومي الأبيض، وابيض فودي الأسود، حتى رثى لي العدو الأزرق، فحبذا الموت الأحمر.
فقال الفاضل: من أين تأتي الإنسان بفصل يعارض هذا؟ ثم إنه قطع ما كان عمله من المقامات ولم يظهر. أو كما قال. وناهيك بمن يقول مثل القاضي الفاضل في حقه مثل هذا، ويعترف له بالعجز.
وأما أنا فكلما قرأت هذا الفصل وذكرته، أجد له نشوة كنشوة الراح، وبهجة ولا بهجة الساري بطلعة الصباح. وفي أي ترسل تجد نظير هذا الفصل الذي له هذه الخفة والطلاوة، ولم تروجه الأسجاع؟.
وقد ظلم المقامات من جعلها من باب الترسل، والترسل جزء منها. بل هي كتاب علم في بابه، وبلاغة الرجل تعلم من ذكره لشيء في غالب مقاماته بالمدح والذم. وهذا هو البلاغة، أن تصف الشيء ثم تذمه، أو بذم ثم تمدحه، كما فعل في مقامة الدينار، والتي فاضل فيها بين كتابة الإنشاء والحساب، والتي ذكر فيها البكر والثيب والزواج والعزبة وغير ذلك.
وفصاحته تعلم من أخذه الأمثال السائرة وضمها إلى سجعة أحسن منها. كقوله: أعطيت القوس باريها وأنزلت الدار بانيها وقوله: تخلصت قابية من قوب وبرىء براءة الذئب من دم ابن يعقوب. وقوله: وهل ضاعت عدتنا عدة عرقوب أو بقيت حاجة في نفس يعقوب وقوله: فلما دل شعاعه على شمسه، ونم عنوانه بسر طرسه وقوله: فبقيت أحير من ضب وأذهل من صب وقوله: أنحل من قلم وأقحل من جلم وقوله: لو كان في عصاي سير ولغيمي مطير وقوله: طويته على غره، وصنت شغاه عن قره وقوله: إنكما فرقدا سماء وكزندين في وعاء وقوله ليعلم أن ريحه لاقت إعصارًا وجدوله صادف تيارًا وقوله مأرب لا حفاوة ومشرب لم يبق له عندي طلاوة وقوله: المكنة زورة طيف، والفرصة مزنة صيف وقوله: أبعد من رد أمس الدابر، والميت الغابر وقوله: ما أطول طيلك وأهول حيلك وقوله: وكان يوما أطول من ظل القناة، وأحر من دمع المقلاة وقوله: فأخذ يلدغ ويصي، ويتقح ولا يستحيي وقوله: أين مدب صباك، ومن أين مهب صباك وقوله: قد وجدت فاغتبط واستكرمت فارتبط وقوله: ما ذهب من مالك ما وعظك، ولا أجرم إليك من أيقظك وقوله إنك حمت على ركية بكية، وتعرضت لخلية خلية وقوله ما كل سوداء، تمرة، ولا كل صهباء خمرة وقوله: كمن يبغي بيض الأنوق، ويطلب الطيران من النوق وقوله: أتعلم أمك البضاع وظئرك الإرضاع وقوله: فلما رأينا نارهم الحباحب، وخبرهم كسراب السباسب وقوله: إني لأطوع من حذائك، وأوفق من غذائك وفيها من هذا النوع كثير أضربت عنه خوف الإطالة.
وما تناهيت في بثي محاسنه ... إلا وأكثر مما قلت ما أدع
ثقافة الكاتب
قال: فإذا ركب الله في الإنسان طبعا قابلا لهذا، فيفتقر إلى ثمانية أنواع من الآلات ثم سردها.

1 / 7

أقول: أما الكاتب فيحتاج إلى حفظ الكتاب العزيز وإدمان تلاوته، ليكون دائرًا على لسانه، جاريًا على فكرته، ممثلا بين عيني ذاكرته لينفق من سعته، وإلى معرفة اللغة والنحو وإدمان الإعراب ليلا ونهارا، حتى يصير له ذلك ملكة جيدة، والتصريف والمعاني والبيان والبديع والعروض والقافية والأحكام السلطانية كما ذكر في كتابه وشيء من التفسير، وشيء من الأحاديث مثل كتاب الشهاب أو كتاب النجم للأقليشي، والآثار المنقولة عن الصحابة رضوان الله عليهم وما دار بين الخلفاء الراشدين وعمالهم، وما دار بين علي ومعاوية ﵄ من المحاورات، وتواقيع الخلفاء والوزراء والكتاب، وأمثال العرب، وحفظ جانب جيد من شعر العرب والمخضرمين والمحدثين وفحول المتأخرين، وحفظ جيد الحماسة ومختار المفضليات، وبعض قصائد منتهى الطلب جمع ابن ميمون، وما أمكن من التاريخ وأسماء الرجال والحساب، ومراجعات أمهات كتب الأدب، مثل الأغاني والعقد والبيان والتبيين والذخيرة وزهر الآداب وأمالي القالي والكامل للمبرد وتذكرة ابن حمدون وحفظ جانب جيد من المقامات والخطب النباتية، وبعض شعر المتنبي وأبي تمام والبحتري وسقط الزند وغير ذلك. وقد اخترت أنا من شعر هؤلاء الشعراء الأربعة في مجلدة لطيفة، والوقوف على ترسل الكتاب ومراعاة ما قصدوه في كل فن: من التهاني والتعازي والفتوحات ووصايا تقاليدهم وتواقيعهم وأوامرهم ونواهيهم فيها، وافتتاحات أدعيتهم في كل ما يتشعب من طرق الكتابة وكيفية البداءات والمراجعات في الهدايا والشفاعات والأوصاف وكتب الإخوان وما يجري هذا المجرى. وهذا باب لا يغلق له مصراع ولا ينعقد على حصره إجماع.
وعلى الجملة، فالكاتب يحتاج إلى كل شيء، ولولا أنه لا يلزمه تحقيق كل فن لقلت إنه الذي يعرف الوجود على ما هو عليه. وهيهات.
نعم الناس متفاوتون في ذلك وهم على طبقات: فمنهم من تسنم الدرجات، ومنهم من لا نهض من الدركات، وما بين ذلك. ولا بد من المشاركة مهما أمكن، ولو أنه معرفة لمصطلح لكل صاحب فن، وإذا كمل مواده أو قارب الإكمال، فمعرفة مصطلح الديوان في المكاتبات من معرفة الألقاب والنعوت وما يجري هذا المجرى. فإن هذا معرفته مع المباشرة في أقل من جمعة يتصوره ويدريه، وهو مما لم يتقرر قاعدته، لأنه يختلف باختلاف كل زمان وأهله. وهذا لا عبرة به، فإنه أسهل ما يعرفه.
هل تضر مخالفة النحو في معنى
قال وقد ذكر النحو: إذا نظرنا إلى ضروبه وأقسامه، وجدنا أكثرها غير محتاج إليه في إفهام المعاني. ألا ترى أنك لو أمرت رجلا بالقيام فقلت: قوم بإثبات الواو ولم تجزم لما اختل من فهم ذلك شيء. وكذلك الشرط والفضلات كلها تجري هذا المجرى من الحال والتمييز والاستثناء وساق أشياء من هذه الأنواع.
أقول: ما يورد مثل هذا إلا عوام الناس ومن لم يتلبس بالمعرفة، ومن لم يرح رائحة العلم. ألم يعلم أنه إذا صدر عن مترسل كتاب لم يجزم أفعال أمره ولا شروطه وجوابها، ولم يرفع فاعله وينصب فضلاته، ولا راعي شيئًا من قواعد إعرابه التي هي ظاهرة، ولا حافظ على شيء من الإعراب ألبتة، كان ذلك ضحكة للمغفلين فضلا عن العقلاء. وحينئذ فقد استوى العلماء والجهال.
وقد كتب عمر ﵁ إلى أبي موسى الأشعري: أما بعد فتفقهوا في السنة وتعلموا العربية وكان عبد الله بن عمر ﵄ يضرب ولده على اللحن.
وقال عبد الملك: اللحن في الكلام أقبح من آثار الجدري في الوجه. ورأى أبو الأسود الدوءلي أعدالا للتجار مكتوب عليها لأبو فلان. فقال: سبحان الله يلحنون ويربحون. ويقال: من أحب أن يجد الكبر في نفسه فليتعلم العربية.
ألم يعلم أن بعضهم استدل على أن النحو فرض كفاية إن لم يقل إنه فرض عين، وذهب بعضهم إلى أن الله تعالى لا يقبل الدعاء إذا لم يكن معربا. وقال الشيخ تقي الدين ابن الصلاح: أخشى على من تعاطى الحديث ولم يدر النحو، أن يدخل في قوله ﷺ: من كذب علي متعمدا، فليتبوا مقعده من النار.
ثم إنه استثنى أشياء من ذلك لا تعرف إلا بالإعراب. فأقول: إنه لا يتوصل إلى معرفة الغامض إلا بعد معرفة الواضح، ومن لم يعرف البين لم يعرف العويص، لينتقل في التفهم من الأدنى إلى الأعلى.

1 / 8

قال الخليل بن أحمد ﵀: لا يصل أحد من النحو إلى ما يحتاج إليه إلا بتعلم ما لا يحتاج إليه، فقال أبو عمر: إن كان لا يوصل إلى ما يحتاج إليه إلا بما لا يحتاج إليه، فقد صار ما لا يحتاج إليه محتاجا إليه. وكل علم بهذه المثابة فيه الجلي والغامض في الفقه، فإن مسائله الغامضة في الحيض والتيمم وللفرائض، وما في الجبر والمقابلة، ومسائل الدور في الطلاق وغير ذلك. وكما في المنطق فإن غوامضه في الأقيسة والمختلطات والمغالط وغير ذلك. وكما في علم الكلام من إثبات الجوهر الفرد، وأن العرض لا يبقى زمانين، وأن المعدوم ليس بشيء. وما يتوصل الإنسان إلى معرفة هذه المسائل العويصة إلا بعد مقدمات يفهمها من المسائل الواضحة، وما رأيت من يورد مثل هذا غير العوام، أو من يجهل هذا الفن.
هل يقدح اللحن في حسن الكلام
قال بعد أن ساق شيئًا من نظم أبي نواس وأبي تمام وأبي الطيب ولحنهم: إن اللحن لم يكن قادحًا في حسن الكلام.
أقول: ما بقي بعد هذا إلا أن يقول: إن مراعاة الإعراب علة موجبة لقبح الكلام أتراه ما سمع بقولهم: النحو في الكلام كالملح في الطعام. وقد ذهب بعضهم إلى أن الإعراب إنما سمي إعرابا لأن العرب في قوله تعالى: " عربًا أترابًا " هن المتحببات إلى أزواجهن، فكأن من أعرب كلامه تحبب إلى مخاطبه. أقول: معنى تحببه كونه ذكر أمارات تدل على معانيه. فإنه إذا أراد التعجب قال: ما أحسن زيدًا، ولو ترك الإعراب وقال: ما أحسن زيد بسكون النون والدال، لالتبس الفهم على المخاطب وبقي في حيرة: هل هو مستفهم أو متعجب أو مخبر. فلما نصب النون والدال علم أنه يتعجب. وإذا قال: ما أحسن زيد برفع النون وكسر الدال علم أنه يستفهم. واذا قال ما أحسن زيد بنصب النون ورفع الدال علم أنه مخبر بنفي الإحسان عنه. واذا أراح المتكلم من يخاطبه من الفكرة والحيرة بالإعراب، فقد تحبب إليه.
وقد قال..... لا قدر للحان ولو بلغ يافوخه عنان السماء وأنا فما أنكر أن لطف التركيب وسهولة الكلام أمر آخر وراء النحو. هذا معلوم ولكن المشاحة في تعسفه وتعنته.
حول لون البقرة في الآية صفراء فاقع لونها
قال: وكان فاوضني بعض الفقهاء في قوله تعالى في سورة البقرة: " صفراء فاقع لونها "، إن لون البقر كان أسود. وأخذ في الشناع على ذلك والاستدلال على أن اللون أصفر.
أقول: من المعلوم أن الأرجح هو أن اللون كان أصفر، لكونه مؤكدًا بفاقع. كما يؤكد أسود بحالك وحانك، وأبيض بيقق ولهق، وأحمر بقان وذريحي وأخضر بناضر ومدهام، وأصفر بناصع وفاقع ووارس، وأزرق بخطباني، وأرمك برذاني. ولكن إذا ورد التفسير وثبت النقل بشيء، فما يمكن غير قبوله والعمل به في موضعه من غير أن يتعدى به ذلك الموضع. هذا إذا خالف قاعدة، وإن أمكن ترجيحه رجح، كما رجح هذا بعضهم بقوله تعالى: " إنها ترمي بشرر كالقصر كأنه جمالات صفر ". أي جمال سود تضرب إلى الصفرة. قالوا: والنار سوداء مظلمة.
التأدب في الحديث عن العظماء
قال عند ذكر وقائع العرب: ومن ذلك أنه ورد عن عمر بن الخطاب أنه استدعى أبا موسى الأشعري ومن يليه من العمال، وكان منهم الربيع بن زياد الحارثي، فمضى إلى يرفأ، مولى عمر، وسأله عما يروج عنده وينفق عليه، فأشار إلى خشونة العيش. فمضى ولبس جبة صوف وعمامة دكناء وخفا مطابقا وحضر بين يديه في جملة العمال. فصوب عمر نظره وصعده فلم يقع إلا عليه، فأدناه وسأله عن حاله ثم أوصى أبا موسى الأشعري به.
ثم قال ابن الأثير: وقد استعملت أنا هذا في تقليد لبعض الملوك من ديوان الخلافة، فقلت: واذا استعنت على عملك بأحد، فاضرب عليه بالأرصاد، ولا ترض بما عرفته من مبدا حاله، فإن الأحوال تتنقل تنقل الأجساد، وإياك أن تخدع بصلاح الظاهر كما خدع عمر بن الخطاب بالربيع بن زياد.

1 / 9

أقول: قوله كما خدع عمر، في هذا القول إساءة أدب على عمر ﵁ من نسبته إلى أنه خدع، وفي هذا شبهة لصاحب التقليد، فإنه يقول في نفسه: وإذا كان مثل عمر خدع، فما ظني بنفسي، فيقع منه الإهمال. والآدب في مثل هذا أحسن، ودفع الانخداع عنه أليق. ألا ترى إلى قوله تعالى حاكيًا عن يوسف ﵇: " من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي "، فنسب ما وقع بينهم إلى الشيطان تأدبًا مع إخوته ﵈. وإذا خدع مثل عمر بن الخطاب ﵁ مع تحرزه وشدته في الدين، فما يظن بغيره.
وقال المغيرة بن شعبة: ما رأيت أحدا أحزم من عمر. كان والله له فضل يمنعه أن يجزع، وعقل يمنعه أن يخدع.
قال أبو بكر الخرائطي: رحم الله عمر ما كان أنظره بنور الله في ذات الله وأفرسه. كان والله كما قال الشاعر:
بصيرٌ بأعقاب الأمور برأيه ... كأنّ له في اليوم عينا إلى غد
وقد نقل عن أبي العباس أحمد بن عبد الله بن الحطيئه أنه كان يقول: أدرجت سعادة الإسلام في أكفان عمر بن الخطاب.
وما أحسن قول الشاعر:
حججي عليك إذا خلوت كثيرةٌ ... وإذا حضرت فإنني مخصوم
لا أستطيع أقول أنت ظلمتني ... الله يعلم أنّني مظلوم
فانظر إلى أدب هذا الشاعر وتلطفه مع محبوبه وإجلاله له.
وكان الأحسن أن لو قال: وإذا استعنت على عملك بأحد، فلا تثق منه بلمع السراب، واكشف بيد إرصادك عن وجه سيرته حجاب النقاب، وتيقظ لأموره فلا ترض بالظاهر العامر وتنسى الباطن الخراب، وتخيل من مكره ما تحيل به الربيع بن زياد على عمر بن الخطاب. فإن نسبة الحيلة إلى الربيع أحسن في الأدب من نسبة الخدع إلى عمر ﵁.
إنكار التلقب بالناصر على السلطان صلاح الدين
قال: وجدت لابن زيادة البغدادي كتابًا كتبه إلى الملك الناصر صلاح الدين يشتمل على أمور أنكرت عليه من ديوان الخلافة. من ذلك أنه تلقب بالناصر وذلك لقب أمير المؤمنين.
ثم إن ابن الأثير استصلح الكتاب وقال: لم أجد فيه مغمزًا إلا في هذا الفصل الذي يتضمن حديث اللقب، فإنه لم يأت فيه بكلام يناسب باقي الفصول المذكورة، بل أتى بكلام فيه غثاثة كقوله: ما يستصلحه المولى على العبد حرام وشيء من هذا النسق.
ثم إن ابن الأثير ﵀ ذكر ما أنشأه في هذا المعنى لنفسه قال: قد علم أن للأنبياء والخلفاء خصائص يختصون بها على حكم الانفراد، وليس لأحد من الناس أن يشاركهم فيها مشاركة الأنداد. وقد أجرى رسول الله ﷺ ذلك في أشياء نص عليها بحكمه، من جملتها أنه نهى غيره أن يجمع بين كنتيه واسمه، وهذا مسوغ لأمير المؤمنين أن يختص بأمر يكون به مشهورًا وعلى غيره محظورًا.
وساق باقي السجع وليس فيه زبدة فأثبته. أقول: قبل الخوض معه أقدم الفرق بين الاسم والكنية واللقب.
وذلك أن العلم الدال على شخص معين إن كان مصدرا بأب كأبي بكر وأبي حفص، أو بأم كأم كلثوم وأم البنين وأم المؤمنين فهو الكنية. وإن أشعر برفع المسمى كماء السماء وذي رعين وذي النورين وذات النطاقين وذي الجناحين، ويدخل في هذا ألقاب الخلفاء بني أمية وبني العباس، كالهادي والمهدي والرشيد والأمين والمأمون، ويدخل فيه مصطلح الناس، من شمس الدين وبدر الدين ونجم الدين وغير ذلك من ألقاب أهل الكتاب كشمس الدولة وتاج الملك. أو يشعر بضعة المسمى كففة وبطة والأقيشر والأحوص فهذا هو اللقب. وإن كان للدلالة على ذات المسمى وتعيينه، كزيد وعمرو وبكر وخالد فهذا هو الاسم.
وإذا تقرر هذا، فالنبي ﷺ قال: " لا تجمعوا بين اسمي وكنيتي " مراده لا يقال لأحد من أمته محمد أبو القاسم. أما الناصر والعاضد والقادر والمستنصر وما أشبه ذلك فليس ذلك بكنية ولا اسم على ما تقرر.
على أن الفقهاء اختلفوا في التكني بأبي القاسم على ثلاثة مذاهب: فذهب الشافعي ﵀ ومن وافقه إلى أن لا يحل لأحد أن يكتني به سواء كان اسمه محمدا أو غيره.
وذهب مالك ﵀ إلى أنه يجوز التكني به لمن اسمه محمد ولغيره. وذهب بعضهم إلى أنه يجوز لمن لم يكن اسمه محمدًا ولا يجوز لمن اسمه محمد.
قال الرافعي: يشبه هذا الثالث أن يكون أصح، لأن الناس ما زالوا يكتنون به في جميع الأعصار ولا إنكار.

1 / 10