الثاني: أنّه يُمكن أن يخلق علمًا ضروريًا بصدقهم. وقد سلّم القاضي أبو بكر١ ذلك، لكن قال: إذا اضطررنا إلى العلم بصدق مدّعي النبوة، وأنّه أرسله إلينا، كان في ضمن هذا العلم اضطراره لنا إلى العلم بذاته، وإلى أنه قد أرسل مدعي النبوة. وإذا علمنا ذلك اضطرارًا، لم يكن للتكليف بالعلم بصدقه وجهًا، وخرجنا بذلك عن أن نكون مكلفين [للعلم] ٢ بالدين. وهذا كلامٌ يؤدي إلى خروجنا عن حدّ المحنة والتكليف.
فيُقال له: إذا حصل العلم الضروريّ بوجود الخالق [وبصدق] ٣ رسوله، كان التكليف بالإقرار بالصانع، وعبادته وحده لا شريك له، وبتصديق رسله، وطاعة أمره. وهذا هو الذي أَمَرَتْ به الرسل؛ أَمَرَتْ الخلق أن يعبدوا الله وحده، وأن يُطيعوا رسله، ولم يأمروا جميع الخلق بأن يكتسبوا علمًا نظريًا بوجود الخالق، وصدق رسله. لكن من جحد الحق أمروه بالإقرار به، وأقاموا الحجة عليه، وبيّنوا معاندته، وأنّه جاحدٌ للحقّ الذي يعرفه. وكذلك الرسول كانوا يعلمون أنّه صادق ويكذبونه. فليُتدبّر هذا الموضع؛ فإنه موضعٌ عظيم.
حكمة الله تمنع ظهور المعجزات على يد الكذاب
الوجه الثالث: أن يقال: نحن نُسلّم أنّ المعجزات تدلّ على الصدق، وأنّه لا يجوز إظهارها على يد الكاذب، لكن هو٤ لأنّ الله [ميّزه] ٥ عن ذلك، وأنّ حكمته تمنع ذلك، ولا يجوز عليه كلّ فعل ممكن، وأنتم مع
١ الباقلاني.
٢ في «م»، و«ط»: بالعلم.
٣ في «خ»: وتصدق. وما أثبت من «م»، و«ط» .
٤ كذا في «خ»، و«م»، و«ط» .
٥ في «م»، و«ط»: منزه.