Permulaan Falsafah Ilmiah
نشأة الفلسفة العلمية
Genre-genre
والواقع أن الكسب ضخم بحق إذا ما قورن بنتائج المذاهب الفلسفية التقليدية. وأود أن أؤكد مرة أخرى إنني لا أنكر المزايا التاريخية لهذه المذاهب. فهناك شوط طويل لا بد من قطعه بين إدراك المشكلة لأول مرة وبين صياغتها بوضوح، وشوط طويل آخر بين صياغتها وبين حلها. وكثير من الحلول الحاضرة يمكن تتبعها إلى أصول في تلك التشبيهات واللفة المجازية التي كمان يقدمها فيلسوف قديم معين. وسع ذلك فلا شيء أخطر على الفهم النقدي للفلسفة من النظر إلى هذه المجازات والتشبيهات على أنها استباقات تنبئية للكشوف الجديدة. فكثيرا ما يكون الإدراك الأول للمشكلة نابعا عن الدهشة الساذجة، لا عن استبصار بما تنطوي عليه من أبعاد واسعة المدى. ومن الممكن أن يكون الجهد والعناء المبذول في التطور الذي أدى إلى الحل الحديث معادلا في ضخامته، وربما أضخم، من الدور الذي أسهم به من بدءوا هذا التطور. فالاحترام الواجب نحو القدماء ينبغي ألا يجعلنا نغفل الإنجازات التي حققها عصرنا. ولا بد من استقلال في الحكم ودقة في النقد من أجل كشف تلك القلة من المشكلات الأصيلة، من بين تلال التصورات الغامضة والثرثرات الدجماطيقية التي ورثناها عن الفلسفة التقليدية. ولا يمكن أن يكتسب الفيلسوف الأدوات اللازمة لحل هذه المشكلات إلا عن طريق الفهم العميق للمنهج العلمي الحديث.
ولقد حاولنا في هذا الكتاب أن نقدم عرضا للإجابات التي قدمتها الفلسفة العلمية الحديثة للمشكلات التي كان لها دور في الفلسفة التقليدية منذ بدايتها في التفكير اليوناني. فهناك مشكلة أصل المعرفة الهندسية، التي كانت الإجابة عنها هي التمييز بين الهندسة الفيزيائية، التي هي تجريبية، وبين الهندسة الرياضية، التي هي تحليلية. وهناك مسألة السببية والتحديد العام لجميع الحوادث الفيزيائية، وهي المسألة التي كانت الإجابة عنها سلبية: فالسببية قانون تجريبي، ولا يسري إلا على موضوعات العالم الكبير، على حين أنه ينهار في المجال الذري. وهناك مسألة طبيعة الجوهر والمادة، التي كانت الإجابة عنها هي ثنائية الموجات والجزئيات، وهو تصور أهرب من أي نوع من الخيال تمخضت عنه المذاهب الفلسفية في أي وقت، وهناك مسألة المبدأ المتحكم في التطور، وهو المبدأ الذي تم الاهتداء إليه في انتقاء إحصائي مقترن بالقوانين السببية. وهناك مسألة طبيعة المنطق، وهو المبحث الذي تبين أنه نظام لقوانين اللغة، لا يقيد أية تجارب ممكنة، وبالتالي لا يعبر عن أية خصائص للعالم الفيزيائي. وهناك مسألة المعرفة التنبئية، التي أجيب عنها بنظرية في الاحتمال والاستقراء، بمقتضاها تكون التنبؤات ترجيحات، وتكون هي أفضل الأدوات المتوافرة للتنبؤ بالمستقبل إن كان مثل هذا التنبؤ ممكنا. وهناك مسألة وجود العالم الخارجي والذهن البشري، التي تبين أنها مسألة متعلقة بالاستخدام الصحيح للغة، وليست مسألة «حفيفية متعالية». وهناك أخيرا مسألة طبيعة الأخلاق، التي أجيب عنها بالتمييز بين الأهداف وبين علاقات اللزوم بين الأهداف، وهي إجابة تؤدي إلى جعل علاقات اللزوم هذه هي وحدها التي تقبل حكما معرفيا، أما الأهداف الأولية فهي في نظرها قرارات نابعة عن الإرادة.
إن هناك مجموعة من النتائج الفلسفية أمكن إثباتها بواسطة منهج فلسفي لا يقل دقة وإحكاما عن منهج العلم، وفي استطاعة التجريبي الحديث أن يستشهد بهذه النتائج إذا ما طلب إليه أن يقدم الدليل على أن الفلسفة العلمية أرفع من التأمل الفلسفي. فهناك إذن معرفة فلسفية متراكمة. ولم تعد الفلسفة قصة أناس حاولوا عبثا أن «يقولوا ما لا يمكن أن يقال» بصور مجازية أو تراكيب لفظية لها صورة منطقية وهمية. بل إن الفلسفة هي التحليل المنطقي لجميع أشكال الفكر البشري ومن الممكن التعبير عما تود أن تقوله بعبارات مفهومة. وليس ثمة شيء «لا يمكن أن يقال» يتعين عليها أن تستسلم لشروطه، بل إن الفلسفة علمية في مناهجها؛ فهي تجمع النتائج التي تقبل البرهان، والتي يقبلها أولئك الذين اكتسبوا خبرة كافية في المنطق والعلم. وإذا كانت لا تزال تنطوي على مشكلة لم تحل، ما زالت تثير الجدل؛ فهناك أمل حقيقي في أن تحل في المستقبل بنفس الطرق التي أدت، في حالة مشكلات أخرى، إلى حلول يشيع قبولها اليوم.
والحق أن المرء ليدهش، حين يعقد هذه المقارنة الختامية بين الفلسفة القديمة والحديثة، من استمرار وجود كل هذه المعارضة للمنهج الفلسفي ونتائجه. وأود الآن أن أناقش الأسباب النفسية المحتملة لهذه المعارضة.
أول هذه الأسباب هو أنه لا بد من القيام بجهد فني معقد من أجل فهم الفلسفة الجديدة. ذلك لأن فيلسوف المدرسة القديمة هو عادة شخص اكتسب خبرة في ميدان الأدب والتاريخ، ولم يتدرب أبدا على المناهج الدقيقة للعلوم الرياضية، ولم يشعر باللذة التي تجلبها البرهنة على قانون طبيعي بتحقيق جميع نتائجه. ولو تأملنا التعليم الذي تقدمه المدارس الثانوية لما وجدناه يزيد على مدخل بسيط إلى الرياضة والعلوم - فمن يستطيع إذن أن يحكم على نظرية المعرفة إن لم يكن قد رأى المعرفة في أكثر صورها نجاحا؟
والحجة التي تقدم عادة دفاعا عن هذا الموقف هي أن الفلسفة العلمية موجهة أكثر مما ينبغي نحو العلوم الرياضية، ولا تعطي العلوم الاجتماعية والتاريخية حقا من الاهتمام. غير أن هذه الحجة ليست إلا دليلا جديدا على سوء فهم برنامج الفلسفة العلمية. فالفيلسوف العلمي يرحب بأية محاولة لبحث العلوم الاجتماعية بمنهج فلسفي قريب من ذلك المنهج الذي طبق بنجاح كبير في العلوم الطبيعية. ولكن ما يرفض قبوله هو تلك الفلسفة التي تضع حدا فاصلا بين العلوم الاجتماعية والطبيعية، والتي تدعي أن لتلك المفاهيم الأساسية، من أمثال مفهوم التفسير، أو القانون العلمي، أو الزمان، معاني مختلفة في كلا الميدانين. ذلك لأن مصدر هذه الادعاءات هو في كثير من الأحيان سوء فهم العلوم الرياضية . والواقع أن تحليل السببية، الذي يتم في الفيزياء، يقرب بين ذلك العلم وبين علم الاجتماع إلى حد لم يعرف من قبل على الإطلاق، إذ إن الاعتراف بأن القوانين الفيزيائية علاقات لزوم احتمالية، وليست قواعد يمليها العقل الخالص، لا بد أن يشجع عالم الاجتماع على صياغة قوانين حتى لو لم تكن قوانينه تسري إلا على غالبية الأمثلة. وأن التعقد الشديد للظروف الاجتماعية، الذي يجعل من المستحيل رؤية قانون اجتماعي يتحقق في حالة مثلى، ليذكر المرء بالوضع المماثل في علم فيزيائي هو علم الأرصاد الجوية. فعلى الرغم من أن التنبؤات الدقيقة بحالة الجو مستحيلة، فإن أحدا من علماء الفيزياء لا يشك في أن حالة الجو تخضع لقوانين الديناميكا الحرارية والديناميكا الهوائية. وعلى ذلك فحتى لو كان من الصعب إلى حد بعيد التنبؤ بالمناخ السياسي، فلماذا يرفض معظم علماء الاجتماع الاعتقاد بوجود قوانين لعلم الاجتماع؟
إن الحجة القائلة إن الحوادث متفردة، وأنها لا تتكرر، تنهار لأن نفس الحكم يصدق على الحوادث الفيزيائية. فالطقس في يوم ما لا يمكن أن يكون هو ذاته الطقس في يوم آخر. وحالة قطعة معينة من الخشب لا يمكن أن تكون هي ذاتها حالة أية قطعة أخرى. ولكن العالم يتغلب على هذه الصعوبات بإدماج الحالات الفردية في فئة، وبالبحث عن القوانين التي تتحكم في مختلف الظروف الفردية في معظم الحالات على الأقل. فلماذا يعجز عالم الاجتماع عن أن يفعل نفس الشيء؟
إن الزعم بأن هناك هوة لا تعبر بين العلوم الاجتماعية والطبيعية، يبدو أشبه بمحاولة ترك مكان خاص، في فلسفة العلوم الاجتماعية، لأولئك الفلاسفة الذين يخشون تطبيق الأسلوب المنطقي والرياضي الذي لم يعد من الممكن بناء نظرية في المعرفة بدونه. ولكن من حسن الحظ أن هناك أيضا مجموعة من العلماء الاجتماعيين يتطلعون إلى الفلسفة العلمية لكي تعينهم في صراعهم من أجل فهم منهج علمهم، ويعترفون بضرورة القيام بعملية تطهير واسعة قبل أن يتسنى بناء فلسفة للعلوم الاجتماعية. وإني لآمل أن تتمكن الفلسفة العلمية في المستقبل من اجتذاب أشخاص ينتمون إلى جميع مجالات المعرفة، يتحولون من البحث في ميادينهم الخاصة إلى الدراسة الفلسفية.
وهناك أسباب أخرى تدعو إلى الترحيب بمساعدة الباحثين النزيهين الذين ينتمون إلى مجالات العلوم غير الرياضية، والذين يتقدمون للمعاونة في هذا الميدان. فعلى الرغم من أن البحث الرياضي والمنطقي قد أسهم بالكثير في بناء الفلسفة الجديدة، فإن هذا العمل لا يرتبط في ذاته ضرورة بموقف فلسفي نقدي. فهناك رياضيون، بل مناطقة رياضيون، لم يشعروا أبدا بالحاجة إلى الامتداد بمناهجهم الدقيقة بحيث تطبق على التحليل المنطقي للمعرفة التجريبية، أو يعتقدون أن أي امتداد كهذا ينبغي إكماله بالإهابة بتبصر يعلو على التجربة، أعني تبصرا بحقيقة غير تحليلية. وهم يعدون الفلسفة ضربا من التخمين الذي لا يمكن أن يؤدي أبدا إلى نتائج جادة، أو ينظرون إلى تلك الأمور التي يقتنع بها الإنسان في موقفه الطبيعي على أنها شروط سابقة لا مفر منها للفلسفة، وينكرون إمكان نقدها، أو يعتقدون أن اللغة الغامضة الخيالية للفيلسوف التأملي هي الوسيلة الوحيدة لمعالجة المشكلات الفلسفية؛ ذلك لأن التمرس في الرياضيات ليس ضمانا لفهم المشكلات الفلسفية؛ ذلك لأن التمرس في الرياضيات ليس ضمانا لفهم مشكلات نظرية المعرفة الحديثة ومناهجها، وحتى لو أدركت المشكلات، فقد تظل الحلول تلتمس بتلك الطرق التي ظل التراث القديم العهد يمجدها، والتي لم يتعلم الطالب في جامعاتنا، خلال سنوات تنشئته على اكتساب المعرفة العلمية، أن ينتقدها.
إن الحد الفاصل بين الفلسفة القديمة والجديدة لا يؤدي إلى استبعاد الرياضة من الفلسفة التأملية، بل إنه يفصل بين الشخص الذي يحس بالمسئولية عن كل كلمة ينطقها، وبين الشخص الذي يستخدم الكلمات من أجل نقل تخمينات حدسية وتكهنات لم تخضع للتحليل، أعني بين ذلك الذي يكون على استعداد لتعديل فهمه للمعرفة، بحيث يتلاءم مع ضروب المعرفة التي يمكن بلوغها، وذلك الذي لا يستطيع التخلي عن الإيمان بحقيقة تعلو على التجربة، أو بين من يعتقد أن المناهج الرياضية الدقيقة يمكنها أن تسري على تحليل المعرفة، ومن ينظر إلى الفلسفة على أنها مجال خارج عن المنطق، متحرر من قيود الضوابط المنطقية، يتحكم فيه الرضاء الناتج عن استخدام الكلام المجازي وارتباطاته الانفعالية. فالتفرقة بين هذين النوعين من العقليات نتيجة لا مفر منها للفلسفة الجديدة.
Halaman tidak diketahui