وإذا أدارت مريم وجهها لتذهب استوقفتها أولغا قائلة: أين أمي يا مريم؟ - هي في غرفتها تلبس أثوابها لتذهب لزيارة مدام بطرس. - لا تقولي لها إن جميل أتى، دعيها تذهب فعند رجوعها تراه. - أمرك يا سيدتي.
وما توارت الخادمة خلف الباب حتى وقفت أولغا بتحذر لئلا تنقطع الشريطة الماسكة طرف المشد بربطة الساق، فتراجع ردفها قيد ذراع إلى الوراء وانحنى صدرها إلى الأمام، وبدأت تتخطر في الغرفة كأنها سابحة في الهواء، واستوقفت المرآة أنظارها فلبست وجها جديدا يلائم حالة الملتقى، ثم ركضت إلى المقعد وارتمت عليه مرتبة طيات ثوبها بكل تأن.
فتح الباب ودخل جميل حاملا بيده علبة مذهبة الحواشي، وتقدم حتى لاصق ركاب أولغا فبقيت جالسة (مودة إفرنسية: السيدات لا يقمن للرجال.)
رأت أولغا سيدات الإفرنج يفعلن هكذا في المحافل الرسمية، فخيل لها أن هذه العادة مقبولة بكل ظرف حتى مع الحبيب!
هكذا تعودنا أن نتمثل بالأجانب ... كل شيء من وجهه القبيح.
اهتزت أولغا على مقعدها دلالة على فرحها، ومدت يدها الشمال بحركة مرتقصة، فأخذها جميل ورفعها إلى شفتيه، فقالت: أهلا وسهلا، إمتى حضرت لبيروت؟ - بقطار الظهر.
أول كلمة نطق بها الخطيب أمام خطوبته كانت كذبا! وصل جميل بقطار الصباح، وسار توا لمشاهدة إحدى الغانيات قرب مرسح التريانو، وبعد أن مضى معها الساعات الطوال توجه لسوق الطويلة، واشترى العلبة هدية لأولغا، وأتى لديها قائلا إنه وصل بقطار بعد الظهر! - اجلس هنا قربى ... وقل لي إمتى نسافر؟
ثم ألقت أنظارها على العلبة، فلم تعد تستطيع الصبر لسمع الجواب، فأردفت: ما هذه العلبة؟ - هي أساور أحضرتها لك، تقدمة أرجو قبولها. - لا سبيل للرجاء، فقبولها مني واجب عليك ... إمتى نسافر؟ - حالا بعد الزفاف إذا شئت. - وإمتى الزفاف؟ - الأحد القادم.
وطال الحديث بين الخطيبين.
قاربت الشمس أن تغرب، ووالدة أولغا لم ترجع بعد من زيارتها، قام جميل قاصدا المبيت في لوكندة أميركا، فوقفت أولغا وشيعته إلى الباب، وهنالك تعانق الخطيبان، والخادمة واقفة على قمة الدرج تنظر إليهما، وبعينيها بارقة نار خضراء ...
Halaman tidak diketahui