1049

Nafh Tib

نفخ الطيب من غصن الأندلس الرطيب

Editor

إحسان عباس

Penerbit

دار صادر-بيروت

Lokasi Penerbit

لبنان ص. ب ١٠

لقيت بمصر أشدّ البوار ... ركوب الحمار وكحل الغبار
وخلفي مكارٍ يفوق الرياح ... لا يعرف الرفق مهما استطار
أناديه مهلًا فلا يرعوي ... إلى أن سجدت سجود العثار
وقد مدّ فوقي رواق الثرى ... وألحد فيه ضياء النّهار فدفعت إلى المكاري أجرته، وقلت له: إحسانك أن تتركني أمشي على رجليّ، ومشيت إلى أن بلغتها؛ وقدرت الطريق بين الفسطاط والقاهرة وحققته بعد ذلك نحو ميلين، ولمّا أقبلت على الفسطاط أدبرت عني المسرة، وتأمّلت أسوارًا مثلّمة سوداء وآفاقًا مغبرة، ودخلت من بابها وهو دون غلق يفضي إلى خراب معمور بمبان متشتتة الوضع، غير مستقيمة الشوارع، قد بنيت من الطوب الأدكن والقصب والنخيل طبقة فوق طبقة، وحول أبوابها من التراب الأسود والأزبال ما يقبض نفس النظيف، ويغض طرف الظريف، فسرت وأنا معاين لاستصحاب تلك الحال، إلى أن صرت في أسواقها الضيقة، فقاسيت من ازدحام الناس فيها لحوائج السوق والرّوايا التي على الجمال ما لا تفي به إلاّ مشاهدته ومقاساته، إلى أن انتهيت إلى المسجد الجامع، فعاينت من ضيق الأسواق التي حوله ما ذكرت به ضده في جامع إشبيلية وجامع مرّاكش، ثم دخلت إليه فعاينت جامعًا كبيرًا قديم البناء، غير مزخرف، ولا محتفل في حصره التي تدور مع بعض حيطانه، وتنبسط فيه، وأبصرت العامة رجالًا ونساء قد جعلوه معبرًا بأوطئة أقدامهم يجوزون فيه من باب إلى باب ليقرب عليهم الطريق، والبياعون يبيعون فيه أصناف المكسرات والكعك وما سوى ذلك (١)، والناس يأكلون في عدة أمكنة منه غير محتشمين لجري العادة عندهم بذلك، وعدة صبيان بأواني ماء يطوفون على كل من يأكل، قد جعلوا ما يحصل لهم منه رزقًا، وفضلات مآكلهم مطروحة في صحن الجامع، وفي زواياه العنكبوت قد عظم

(١) المغرب: وما جرى مجرى ذلك.

2 / 340