Perbandingan antara Puisi Abu Tammam dan al-Buhturi

الموازنة بين شعر أبي تمام و البحتري

Penerbit

مكتبة الخانجي - الطبعة الأولى

Lokasi Penerbit

١٩٩٤ م

بسم الله الرحمن الرحيم
قال أبو القاسم: الحسن بن بشر بن يحيى الآمدي:
هذا ما حثثت - أدام الله لك العز والتأييد، والتوفيق والتسديد - على تقديمه من الموازنة بين أبي تمام حبيب أوس الطائي وأبي عبادة الوليد بن عبيد البحتري في شعريهما، وقد رسمت من ذلك ما أرجو أن يكون الله ﷿ قد وهب فيه السلامة، وأحسن في اعتماد الحق وتجنب الهوى المعونة منه برحمته.
ووجدت - أطال الله عمرك - أكثر من شاهدته ورأيته من رواة الأشعار المتأخرين يزعمون أن شعر أب يتمام حبيب بن أوس الطائي لا يتعلق بجيده جيد أمثاله، ورديه مطروحٌ ومرذول؛ فلهذا كان مختلفًا لا يتشابه، وأن شعر الوليد ابن عبيد البحتري صحيح السبك، حسن الديباجة، وليس فيه سفسافٌ ولا ردي ولا مطروح، ولهذا صار مستويًا يشبه بعضه بعضًا.

1 / 3

ووجدتهم فاضلوا بينهما لغزارة شعريهما وكثرة جيدهما وبدائعهما، ولم يتفقوا على أيهما أشعر، كما لم يتفقوا على أحدٍ ممن وقع التفضيل بينهم من شعراء الجاهلية والإسلام والمتأخرين، وذلك كمن فضل البحتري، ونسبه إلى حلاوة اللفظ، وحسن التخلص، ووضع الكلام في مواضعه، وصحة العبارة، وقرب المآتي، وانكشاف المعاني، وهم الكتاب والأعراب والشعراء المطبوعون وأهل البلاغة، ومثل من فضل أبا تمامٍ، ونسبه إلى غموض المعاني ودقتها، وكثرة ما يورد مما يحتاج إلى استنباط وشرح واستخراج، وهؤلاء أهل المعاني والشعراء أصحاب الصنعة ومن يميل إلى التدقيق وفلسفي الكلام. وإن كان كثير من الناس قد جعلهما طبقة، وذهب إلى المساواة بينهما. وإنهما لأن البحتري أعرابي الشعر، مطبوعٌ، وعلى مذهب الأوائل، وما فارق عمود الشعر المعروف، وكان يتجنب التعقيد ومستكره الألفاظ ووحشي الكلام؛ فهو بأن يقاس بأشجع السلمي ومنصور وأبي يعقوب المكفوف وأمثالهم من المطبوعين أولى، ولأن أبا تمام شديد التكلف، صاحب صنعةٍ، ومستكره الألفاظ والمعانين وشعره لا يشبه أشعار الأوائل، ولا على طريقتهم؛ لما فيه من

1 / 4

الاستعارات البعيدة، والمعاني المولدة، فهو بأن يكون في حيز مسلم بن الوليد ومن حذا حذوه أحق وأشبه، وعلى أنى لا أجد سبكة وصحة معانيه، ويرتفع عن سائر من ذهب هذا المذهب وسلك هذا الأسلوب؛ لكثرة محاسنه وبدائعه واختراعاته.
ولست أحب أن أطلق القول بأيهما أشعر عندي؛ لتباين الناس في العلم، واختلاف مذاهبهم في الشعر، ولا أرى لأحد أن يفعل ذلك فيستهدف لذم أحد الفريقين؛ لأن الناس لم يتفقوا على أي الأربعة أشعر في امرئ القيس والنابغة وزهير والأعشى، ولا في جرير والفرزدق والأخطل، ولا في بشار ومروان والسيد، ولا في أبي نواس وأبي العتاهية ومسلم؛ لاختلاف آراء الناس في الشعر، وتباين مذاهبهم فيه.
فإن كنت - أدام الله سلامتك - ممن يفضل سهل الكلام وقريبه، ويؤثر صحة السبك وحسن العبارة وحلو اللفظ وكثرة الماء والرونق فالبحتري أشعر عندك ضروةً. وإن كنت تميل إلى الصنعة، والمعاني الغامضة التي تستخرج بالغوص والفكرة، ولا تلوى على غير ذلك فأبو تمام عندك أشعر لا محالة.

1 / 5

فأما أنا فلست أفصح بتفضيل أحدهما على الآخر، ولكني أوازن بين قصيدتين من شعرهما إذا اتفقتا في الوزن والقافية وإعراب القافية، وبين معنى ومعنى، فأقول: أيهما أشعر في تلك القصيدة، وفي ذلك المعنى، ثم أحكم أنت حينئذ على جملة ما لكل واحد منهما إذا أحطت علمًا بالجيد والردئ.
وأنا أبتدئ بما سمعته من احتجاج كل فرقة من أصحاب هذين الشاعرين على الفرقة الأخرى، عند تخاصمهم في تفضيل أحدهما على الآخر، وما ينعاه بعضٌ على بعضٍ؛ لتتأمل ذلك، وتزداد بصيرة وقوة في حكمك إن شئت أن تحكم، أو اعتقادك فيما لعلك تعتقده مع احتجاج الخصمين به:
١ - قال صاحب أبي تمام: كيف يجوز لقائل أن يقول إن البحتري أشعر من أبي تمام وعن أبي تمام أخذ، وعلى حذوه احتذى، ومن معانيه استقى؟ وباراه حتى قيل: الطائي الأكبر، والطائي الأصغر، واعترف البحتري بأن جيد أب يتمام خيرٌ من جيده، على كثرة جيد أبي تمام؛ فهو بهذه الخصال أن يكون أشعر من البحتري أولى من أن يكون البحتري أشعر منه.

1 / 6

٢ - قال صاحب البحتري: أما الصحبة فما صحبه ولا تلمذ له، ولا روى ذلك أحدٌ عنه، ولا نقله، ولا رأى قط أنه محتاج إليه، ودليل هذا الخبر المستفيض من اجتماعهما وتعارفهما عند أبي سعيدٍ محمد بن يوسف الثغري وقد دخل إليه البحتري بقصيدته التي أولها:
أأفاق صبٌ من هوى فأفيقا؟
وأبو تمام حاضر، فلما أنشدها علق أبو تمام أبياتًا كثيرة منها، فلما فرغ من الإنشاد أقبل أبو تمام على محمد بن يوسف فقال: أيها الأمير، ما ظننت أحدًا يقدم على أن يسرق شعري وينشده بحضرتي حتى اليوم، ثم اندفع ينشد ما حفظه. حتى أتى على أبيات كثيرة من القصيدة، فبهت البحتري، ورأى أبو تمام الإنكار في وجه أبي سعيد محمد بن يوسف، فحينئذ قال له أبو تمام: أيها الأمير، والله ما الشعر إلا له، وإنه أحسن فيه الإحسان كله، وأقبل يقرظه ويصف معانيه، ويذكر محاسنه، ثم جعل يفخر باليمن، وأنهم ينبوع الشعر، ولم يقنع من محمد بن يوسف حتى أضعف للبحتري الجائزة.
فهذا الخبر الشائع يبطل ما ادعيتم؛ إذ كان من يقول هذه القصيدة التي هي من عين شعره وفاخر كلامه، وهو لا يعرف أبا تمام إلا أن يكون بالخبر،

1 / 7

يستغنى عن أن يصحبه أو يتلمذ له أو لغيره في الشعر.
وقد أخبرني أنا رجلٌ من أهل الجزيرة - ويكنى أبا الوضاح، وكان عالما بشعر أبي تمام والبحتري وأخبارهما - أن القصيدة التي سمعها أبو تمام من البحتري عند محمد ابن يوسف وكان أول اجتماعهما وتعارفهما القصيدة التي أولها:
فيم ابتدار كما الملام ولوءا؟
وأنه لما بلغ إلى قوله فيها:
في منزلٍ ضنكٍ به القنا ... بين الضلوع إذا انحنين ضلوعا
نهض إليه أبو تمام فقبل بين عينيه: سرورًا به، وتحفيًا بالطائية، ثم قال: أبى الله إلا أن يكون الشعر يمنيًا.
٣ - قال صاحب أبي تمام: إلا أنه - مع هذا - لا ينكر أن يكون قد استعار بعض معاني أب يتمام؛ لقرب البلدين، وكثرة ما كان يطرق سمع البحتري من شعر أبي تمام فيعلق شيئًا من معانيه، معتمدًا للأخذ أو غير معتمد.

1 / 8

وليس ذلك بمانع من أن يكون البحتري أشعر منه؛ فهذا كثير قد أخذ من جميل، وتلمذ له، واستقى من معانيه، فما رأينا أحدًا أطلق على كثير أن جميلًا أشعر منه، بل هو - عند أهل العلم بالشعر والرواية - أشعر من جميل. وهذا ابن سلام الجمحي ذكره في كتاب الطبقات في الطبقة الثانية من شعراء الإسلام، وجعله مع البعيث والقطامى، وذكر أنه عند أهل الحجاز خاصة أشعر من جرير والفرزدق والأخطل، وجعل جميلا في الطبقة السادسة مع عبد الله بن قيس الرقيات والأحوص ونصيب، إلا أنه قال: إن جميلًا يتقدمه في النسيب. وهذا غير مقبول منه؛ لأنه إنما يحكيه عن نفسه، وأهل الحجاز إنما قدموا كثيرا من أجل نسيبه، وحسن تصرفه فيه. وقد حكى عن جرير أنه قال في بعض الروايات: كثير أنسبنا.

1 / 9

ويدل على تقدمه في النسيب قول أبي تمام في قصيدة يمدح بها أبا سعي الكاتبي أولها:
من سجايا الطلول أن لا تجيبا
لو يفاجى ركن المديح كثيرًا ... بمعانيه خالهن نسيبا
طاب فيه المديح والتذ، حتى ... فاق وصف الديار والتشبيبا
أراد أن كثيرًا لو فاجأه هذا المديح - على حسن نسيبه - لخاله نسيبا، وخص كثيرًا لشهرته بالنسيب وبراعته، واحتمل ضرورة الشعر، ورد كثيرا إلى التكبير فقال كثيرًا ولم يقل جميلا ولا جريرًا ولا غيرهما، مما لا ضرورة في اسمه. وعلى أن كثيرًا قد ذكر اسمه في شعره مكبرًا: إما ضرورة، وإما اعتمادًا لتفخيم اسمه وأن لا يأتي به محقرًا، فقال:
وقال لي الواشون: ويحك؟ إنهابغيرك حقا يا كثير تهيم
وقد ذكر أبو تمام كثيرًا في مواضع أخر فجاء به مكبرًا في قصيدة يمدح بها الحسن بن وهب ويصفه بالبلاغة، وهو قوله:

1 / 10

فكأن قسا في عكاظٍ يخطب ... وكثير عزة يوم بين ينسب
وذلك لعلم أبي تمام بتقدم كثير في النسيب على غيره، وشهرته بالتجويد فيه، على أن جميلا لا شعر له مما يعتد به إلا في النسيب والغزل.
فقد علمتم الآن أن هذه خلةٌ لا توجب لكم تفضيل أب يتمام على البحتري من أجل أنه أخذ شيئًا من معانيه.
وأما قول البحتري " جيده خير من جيدي، ورديئي خير من رديئه " فهذا الخبر - إن كان صحيحًا - فهو للبحتري، لا عليه؛ لأن قوله هذا يدل على أن شعر أبي تمام شديد الاختلاف، وشعره شديد الاستواء، والمستوى الشعر أولى بالتقدمة من المختلف الشعر، وقد اجتمعا - نحن وأنتم على أن أبا تمام يعلو علوا حسنًا وينحط انحطاطًا قبيحًا، وأن البحتري يعلو بتوسط، ولا يسقط، ومن لا يسقط ولا يسفسف أفضل ممن يسقط ويسفسف.
والذي نرويه عن أبي علي محمد بن العلاء السجستاني - وكان

1 / 11

صديق البحتري - أنه قال: سئل البحتري عن نفسه وعن أبي تمام، فقال: هو أغوص على المعاني مني وأنا أقوم بعمود الشعر منه وهذا هو الذي يعرفه الشاميون، دونن غيره.
وسمعت أبا علي محمد بن العلاء أيضًا يقول: كان البحتري عند نفسه أشعر من أبي تمام ومن سائر الشعراء المحدثين.
وقد ذكر أبو عبد الله محمد بن داود بن الجراح في كتابه الذي ذكر فيه أخبار الشعراء نحوًا من ذلك.
قال أبو علي محمد بن العلاء: كان البحتري إذا شرب وأنس أنشد شعره، وقال: ألا تسمعون؟ ألا تعجبون؟ قال: وكان - مع هذا - أحسن الناس أدب نفسٍِ، لا يذكر شاعر محسنٌ أوغير محسنٍ إلا قرظه، ومدحه، وذكر أحسن ما فيه.
قال أبو علي: ولم لا يفعل ذلك؟ وقد أسقط في أيامه أكثر من خمسمائة شاعر، وذهب بخيرهم، وانفرد بأخذ جوائز الخلفاء والملوك دونهم؟. فلو لم يفعل ذلك إلا استكفافًا وحذرًا من بيت واحد يندر فيبقى على الزمان لكان من الحظ له أن يفعله.

1 / 12