Mutrib Min Ashcar
المطرب من أشعار أهل المغرب
Editor
الأستاذ إبراهيم الأبياري، الدكتور حامد عبد المجيد، الدكتور أحمد أحمد بدوي
Penerbit
دار العلم للجميع للطباعة والنشر والتوزيع
Lokasi Penerbit
بيروت - لبنان
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين
الحمد لله الذي شرفنا باللسان العربي، وجعلنا من أمة سيد ولد آدم محمد النبي الأُمي، الداعي إلى طريق الواضح الجلي. صلى الله عليه وعلى آله المُتَسَنِّمين من الفضل صهوة المنصب العلي، ما ولي الأرض بعد وسم الوسمى سلطان الولي، ونم بأسرار الرياض نسيم شذاها الذكي.
أما بعد. فإن مولانا سلطان العرب والعجم. عز الملوك العصرية؛ ومالك فضيلتي السيف والقلم. وملك اليمن والشام والديار المصرية؛ أبا المعالي أبا المظفر محمدًا الكامل، الكامل الأوصاف، لا برحت ببقائه الممالك مهتزة الأعطاف. معتزة الأطراف؛ تقدم إلى أمره المطاع، الواجب له على من الجهد غاية ما يستطاع؛ أن أجمع له ما أجتمع عندي من الأناشيد، التي رويتها عن شعراء الأندلس وسائر المغرب بأقرب الأسانيد. فجمعت منها لخدمة مقامة العالي ما يؤكل بالضمير ويشرب، ويهتز عند سماعه ويطرب؛ في الغزل والنسيب، والوصف والتشبيب؛ إلي غير ذلك من مستطرفات التشبيهات المستعذبة، ومبتكرات بدائع بدائه الخواطر المستغربة. ولمح سير ملوك المغرب وملح أخبار أدبائه، ورقيق معان كتابه وجزل ألفاظ خطبائه.
1 / 1
وبالجملة فقد نثلت في هذا المجموع كنانة محفوظاتي في المعارف الأديبة، ولم أخله من أخير ذخائر ما التقطته من أفواه مشايخي من مشكل علمي الغريب والعربية. إلا أني لم اقصد جمع ذلك على الترتيب. ولا سلكت فيه مسلكي المعهود في التبويب والتهذيب. بل استرسلت فيه مع الخاطر على ما يجود به ويسمح، ويعن له ويسنح. فالناظر فيه يسرح في بساتين، ويمرح في ميادين؛ ويخرج من فن إلى فنون، والحديث ذو شجون.
1 / 2
أبو عمر يوسف بن هارون الرمادي
أنشدني غير واحد من شيوخي، ﵏، منهم الشيخ الفقيه الأجل قاضي الجامعة الأجزل. أبو الحسن علي بن عبد الرحمن، لفضًا بمنزله بمدينة تلمسان، قال: أنشدنا الفقيه الإمام العالم أبو عمران موسى بن عبد الرحمن بن خلف بن موسى ابن أبي تليد الشاطبي، قال: أنشدنا الإمام الحافظ أبو عمر بن عبد البر قال: أنشدنا مقدم شعراء الأندلس: أبو عمر يوسف بن هارون الرمادي لنفسه، وتوفي سنة ثلاث وأربعمائة:
وليلةٍ راقبتُ فيها الَهوى ... على رقيب غيِرِ وسْنَانِ
والرّاحُ ما تَنزِل عن راحَتي ... وقتًا وعن رَاحةِ نَدْمَاني
1 / 3
ورب يومٍ قيظُه مُنِضجٌ ... كأنَّه أحشاءُ ظَمآن
أبْرزَ في خدَّيه لي رشْحَه ... طَلًاّ على وَرد وسَوْسَان
فكان في تَحليل أزْرارِه ... أقْودَ لي من ألفِ شَيطان
فُتِّحت الجنّةُ من جَيبه ... فبِتُّ في دَعوة رِضوان
مُروَءةٌ في الحُب تَنْهى بأنْ ... نُجاهِرَ الله بعصيان
قال ذو النسبين، ﵁: لقد أحسن هذا الشاعر ما شاء من الإحسان، لا سيما في قوله تنهى بأن نجاهر الله بعصيان.
أبو عمر الجياني
أحمد بن محمد بن فرج الجياني
ومن مليح هذا الباب، أعني الاتصاف بالعفاف، قول الأديب اللغوي النحوي، أبي عمر أحمد بن محمد بن فرج الجياني، صاحب كتاب الحدائق، ألفه للحكم المستنصر بالله، وعارض به كتاب الزهرة لأبي بكر محمد بن داود بن علي
1 / 4
الأصبهاني، إلا إن أبا بكر إنما ذكر مائة باب في كل باب مائة بيت، وأبو عمر
أورد مائتي باب في كل باب مائتا بيت، ليس منها باب تكرر أسمه لأبي بكر، ولم يورد فيه لغير أندلسي شيئًا.
قال الحميدي في جذوة المقتبس له: قال لنا أبو محمد علي بن أحمد: وأحسن الاختيار ما شاء وأجاد فبلغ الغاية، فآتى الكتاب فردًا في معناه.
فمن قوله:
بأيِّهما أناَ في الشُّكر باَدِي ... بِشُكرِ الطَّيف أم شُكْرِ الرُّقَادِ
سَرى فأرَادَه أمَلي ولكنْ ... عَفَفْتُ فلم أَنَل منه مُرادي
وما في النَّوم من حَرجٍ ولكن ... جريتُ من العفَاف على اعتيادي
1 / 5
لكن أخذه من قول المتنبي:
يَرُدُّ يدًا عن ثوبها وهو قَادر ... ويَعصى الَهوى في طَيفها وهو رَاقد
وأنشدوني أيضًا لأبي عمر الرمادي المذكور:
أحمامَةً فَوق الأراكة بَيِّني ... بحيَاة من أبكاكِ ما أبكاكِ
أمّا أنا فبكيتُ من حُرَق الهوى ... وفِراقِ من أهوى أَأَنتِ كذاك
أمة العزيز
وأنشدني أخت جدي الشريفة الفاضلة، أمة العزيز، ابنة الشريف الأجل العالم أبي محمد العزيز ن الحسن بن الإمام العالم أبي البسام موسى بن عبد الله ابن الحسين بن جعفر الزكي بن علي الهادي بن محمد الجواد بن علي الرضي بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين الشهيد، سيد شباب أهل الجنة، ابن أم أبيها فاطمة الزهراء البتول، سيدة نساء أهل الجنة، صلى الله على أبيها وعليها، ورضي الله عن بعلها وبنيها:
لِحاظُكُم تَجرحُنا في الحَشَى ... ولحظُنَا يجرحكُمْ في الخدودْ
جُرحٌ بجرح فاجعلوا ذَا بذَا ... فما الذي أوجَبَ جرْحَ الصُّدودْ
1 / 6
المعتمد بن عباد
وأنشدونا للمعتمد على الله أبي القاسم محمد ملك إشبيلية، وابن ملكها عباد:
لكِ اللهُ كم أودعت قَلبي أسهمًا ... وكم لكِ ما بين الجوانح من كَلْم
لحاظُكِ طولَ الدّهر حربٌ لمُهجتي ... ألا رحمةٌ تَئنيك يومًا إلى سَلْمِى
ولادة
وحدثني القاضي العدل أبو القاسم خلف بن عبد الملك بن بشكوال الأنصاري، بقراءتي عليه بقرطبة أم بلاد الأندلس؛ في العشر الآخر من صفر سنة أربع وسبعين وخمسمائة، قال في كتاب الصلة له:
ولادة بنت المستكفي بالله؛ أمير المؤمنين، محمد بن عبد الرحمن بن عبيد الله بت الناصر عبد الرحمن بن محمد المرواني، من بني أمية بأندلسي؛ أديبة شاعرة؛ جزلة القول، حسنة الشعر؛ وكانت تخالط الشعراء وتساجل الأدباء، وتفوق البرعاء.
1 / 7
سمعت شيخنا أبا عبد الله جعفر بن محمد بن مكي رحمة الله، يصف نباهتها وفصاحتها وحرارة نادرتها وجزالة منطقها وقال لي: لم يكن لها تصاون يطابق شرفها. وذكر لي أنها أتته معزية له في أبية إذ توفي ﵀ سنة أربع وسبعين وأربعمائة، وتوفيت رحمها الله يوم مقتل الفتح بن محمد بن عباد يوم الأربعاء لليلتين خلتا من صفر سنة أربع وثمانين وأربعمائة، ولم تتزوج قط، وعمرت عمرًا طويلًا إلى أيام المعتمد
قال ذو النسبين ﵁: كانت الحسيبة ولادة في زمانها واحدة أوانها، حسن منظر ومخبر، وحلاوة مورد ومصدر، وكان مجلسها بقرطبة؛ منتدى احرار المصر، وفناؤها ملعبًا لجياد النظم والنثر، يعشو أهل الأدب إلى ضوء غرتها، ويتهالك أفزاد الشعراء والكتاب على حلاوة عشرتها، إلى سهولة حجابها، وكثرة
منتابها؛ تخلط ذلك بعلو نصاب، وسمو أحساب؛ على أنها - سمح الله لي ولها، وتغمد زللي وزللها - اطرحت التحصيل، وأوجدت إلى القول فيها السبيل؛ بقلة مبالاتها، ومجاهرتها للذاتها. كتبت - زعموا - على عاتقي ثوبها:
أَنَا واللهِ أصلُحُ للمعاليِ ... وأمشى مِشيَتِي وأتيهُ تِيهَا
وأُمكُن عاشقي من صَحْن خَدّي ... وأُعطِى قُبلتي من يَشْتَهيها
1 / 8
وكتبت إلى ذي الوزارتين أبي الوليد أحمد بن عبيد الله بن أحمد بن زيدون المخزومي القرطبي:
ترقَّب إذا جنَّ الظَّلامُ زِيارتي ... فإني رأيتُ الّليلَ أكَتَم للّسِّر
وبِي مِنك ما لو كان بالبَدْر ما بَدا ... وبالليل ما أدْجَى وبالنَّجم لم يَسْرِ
إلى أن يقول ابن زيدون: وتبنا بليلة نجتني أقحوان الثغور، ونقطف رمان الصدور، فلما انفصلت عنها صباحا، أنشدتها ارتياحا:
ودَّع الصَّبْر محٌّب ودَّعَك ... ذائِعًا من سرّه ما استودَعكْ
يقَرُع الِّسَّن على أن لَم يكُن ... زادَ في تِلك الخُطَا إذ شَيَّعَك
يا أخَا البدر سَنَاءً وسَنًى ... حَفِظَ الله زَمانًا أطلَعك
إن يطُل بَعدَك ليَلِى فلَكَم ... بِتُّ أشكُو قِصَرَ الَّليلِ مَعَك
وله يتعزل فيها:
يا نازحًا وضميرُ القلب مثواهُ ... أنْسَتْك دنياكَ عبدًا أنت مولاهُ
ألهْتك عنه فُكاهاتٌ تَلذُّ بها ... فليس يَجري ببالٍ منك ذِكراه
عَلَّ اللّيالي تُبقِّيني إلى أمدٍ ... الدّهُر يعلم والأيّام معناه
1 / 9
وله فيها:
يا قَمرًا مطلعُه المغربُ ... قد ضاقَ بي في حُبِّكَ المذهب
فأنَّ من أعجب مَا مَرَّ بِي ... أنَّ عَذابي فيك مُسْتَعذب
ألزمْتَنْي الذّنَب الذي جئْته ... صَدقتَ فأصفح أيُّها المذنب
وقال:
ما بالُ خَدِّك لا يَزال مُضَرَّجا ... بدمٍ ولحظُك لا يزالُ مُرِيبَا
وقال فيها:
حَلَّيْتني بحُلًى أصبحت زاهية ... بها على كِّل أنثى من حُلًى عُطُلِ
لله أخلاقُكِ الغُرُّ التي سُقِيَتْ ... من الفُرات فرقَّت رِقَّةَ الغَزَل
أشبهِت في الشّعر من غَارَتْ بدائعه ... وأنْجَدت وغَدَتْ من أحسَنِ المُثل
من كانَ وَالدهُ العضْبَ المهَّنَد لَم ... يَلْد من النَّسل غيَر الْبِيِض والأسَل
حفصة بنت الحاج
من بشرات غرناطة، رخيمة الشعر، رقيقة النظم والنثر. أنشدني لها غير واحد من أهل غرناطة:
ثَنائي على الثَّنَايا لأنَّني ... أقولُ على عِلْمٍ وأنِطقُ عن خُبْرِ
وأُنْصفُها لا أكذبُ الله أنَّني ... رَشَفْتُ بها ريقًا ألذ من الخمر
1 / 10