كان بيلي بوب أحد أقرباء فلو، يعمل في متجر الجزارة، وكان يعيش في السابق في المجزر في غرفتين بأرضية من الأسمنت، وتفوح منه رائحة أحشاء الحيوانات وأمعائها والخنازير الحية، لكنه تمتع بالتأكيد بطبيعة محبة للحياة المنزلية؛ فزرع نبات الغرنوقي في علب التبغ المعدنية القديمة التي وضعها على عتبات النوافذ الإسمنتية السميكة. انتقل بيلي آنذاك إلى الشقة الصغيرة الموجودة فوق المتجر، وادخر المال واشترى سيارة طراز أولدزموبيل، كان ذلك بعد الحرب بفترة وجيزة حينما كان للسيارات الجديدة طابع خاص مبهج. وفي زياراته لأسرة روز، كان يسير نحو النافذة ويلقي نظرة نحو الخارج، ويقول شيئا ما للفت الانتباه.
افتخرت فلو به وبسيارته. «انظري! الكرسي الخلفي بسيارة بيلي بوب كبير. سيفيد والدك إذا أراد الاستلقاء.» «فلو!»
نادى عليها والد روز. عندما صار طريح الفراش في البداية، كان نادرا ما ينادي على فلو، ثم صار ينادي عليها بصوت كتوم، وأحيانا يوحي بالاعتذار، لكنه تجاوز تلك المرحلة، وصار ينادي عليها كثيرا، ويختلق الأسباب - كما قالت فلو - لجعلها تصعد إلى أعلى.
قالت فلو: «كيف سيتدبر حاله بدوني هناك؟ إنه لا يدعني وشأني لمدة خمس دقائق.» بدا الأمر وكأنها تفتخر بذلك، رغم أنها كانت تدعه ينتظرها عادة. وفي أغلب الأحيان، كانت تذهب لتقف أسفل السلم وتجبره على الصياح بمزيد من التفاصيل عن سبب حاجته لها، وكانت تقص على الناس في المتجر عدم استطاعته الاستغناء عنها خمس دقائق فقط، وعن اضطرارها تغيير ملاءات السرير مرتين في اليوم. كان ذلك صحيحا؛ فقد كانت الملاءات تبتل بسبب العرق. وفي وقت متأخر من الليل، كانت هي أو روز أو كلتاهما تذهبان إلى غسالة الملابس الموجودة في السقيفة الخشبية، وكانت روز ترى، في بعض الأحيان، بقعا بملابس والدها الداخلية. لم تكن تنظر إليها، لكن روز كانت ترفعها وتلوح بها بالقرب من أنف روز، وهي تصيح: «انظري إلى ذلك ثانية!» وتصدر أصواتا كأصوات الدجاج كنوع من المحاكاة الساخرة المستنكرة.
كرهت روز فلو في تلك الأوقات، وكرهت والدها أيضا، كرهت مرضه، والفقر أو الاقتصاد في الإنفاق الذي حال دون إرسالهم الملابس إلى المغسلة، وعدم وجود ما يوفر لهم الحماية في حياتهم. وكانت فلو هناك لتتأكد من ذلك. •••
ظلت فلو في المتجر. لم يأت أحد. كان يوما عاصفا ومليئا بالرمال في الجو، الأمر المعتاد بعد نزول الثلج، رغم أنه لم ينزل أي ثلج. سمعت روز فلو وهي تتحرك بالأرجاء في الطابق العلوي، وتصيح بعبارات موبخة ومشجعة أثناء مساعدتها والدها في ارتداء ملابسه، وإعدادها لحقيبته أيضا، وبحثها عن متعلقاته. وضعت روز كتبها المدرسية على المنضدة، ولتجاهل الضوضاء التي ملأت المنزل، أخذت تقرأ قصة في كتاب اللغة الإنجليزية الخاص بها؛ كانت قصة لكاثرين مانسفيلد بعنوان «حفلة الحديقة». ضمت القصة أشخاصا فقراء يعيشون في زقاق عند نهاية إحدى الحدائق. عطف عليهم الآخرون. سارت الأحداث على ما يرام، لكن روز شعرت بغضب لم تهدف القصة إلى إشعار القارئ به، ولم تكن تدرك في الواقع سبب غضبها، لكنه تعلق بحقيقة تيقنها من أن كاثرين مانسفيلد لم تضطر يوما لرؤية ملابس داخلية متسخة، وأن أقاربها ربما كانوا قساة وعابثين، لكن لهجاتهم كانت مقبولة؛ كانت شفقتها قائمة على ما شهدته في حياتها من حظ حسن، وكانت ترثي لحال الفقراء، بلا شك. لكن روز شعرت بالازدراء من تلك الشفقة. اتخذت روز موقفا متزمتا من الفقر، وسيظل هذا الموقف ملازما لها لفترة طويلة من الوقت.
سمعت روز بيلي بوب وهو يدخل إلى المطبخ ويصيح في بهجة قائلا: «حسنا، أظن أنك تتساءلين أين كنت.»
لم يكن لكاثرين مانسفيلد أقرباء يتحدثون بتلك اللهجة التي تحدث بها بيلي.
كانت روز قد أنهت قراءة القصة، وأمسكت بمسرحية «ماكبث». سبق لها حفظ بعض العبارات من هذه المسرحية، وحفظت أجزاء من كتابات شكسبير وقصائد غير تلك التي من المفترض عليها حفظها في المدرسة. وعند ترديدها تلك العبارات، لم تتخيل نفسها ممثلة تلعب دور ليدي ماكبث على المسرح، وإنما تخيلت نفسها ليدي ماكبث.
صاح بيلي بوب إلى أعلى السلم: «لقد جئت سائرا على قدمي؛ توجب علي إرسالها إلى الميكانيكي.» افترض بيلي أن الجميع يعلم أنه يعني سيارته بهذا الحديث. أكمل حديثه قائلا: «لا أعلم ما المشكلة. لا يمكنني إيقافها، وتتحرك ببطء . ولم أرغب في الذهاب إلى المدينة، وثمة مشكلة في السيارة. هل روز في المنزل؟»
Halaman tidak diketahui