Padang Emas dan Lombong Permata
مروج الذهب ومعادن الجوهر
وفي سنة سبع وتسعين ومائة مات بالرقة عبد الملك بن صالح بن علي في أيام الأمين، وكان عبد الملك أفصح ولد العباس في عصره، يقال: أن الرشيد لما أجتاز ببلاد منبج من أرض الشام نظر إلى قصر مشيد، وبستان معتم بالأشجار كثير الثمار، فقال لعبد الملك: لمن هذا القصر. قال: هو لك ولي بك يا أمير المؤمنين، قال: فكيف بناء القصر. قال: دون منازلك وفوق منازل الناس، قال: فكيف مدينتك. قال: عذبه الماء، باردة الهواء، صلبة الموطأ، قليلة الأعواء، قال: كيف ليلها. قال: سحر كله، وقال له: يا أبا عبد الرحمن، ما أحسن بلادكم، ثم قال: فكيف لا تكون كذلك وهي تربة حمراء، وسنبلة صفراء، وشجرة خضراء، فيافي فيح، وجبال وضيح، بين قيصوم وشيح، فألتفت الرشيد إلى الفضل بن الربيع فقال: ضرب السياط أهون علي من هذا الكلام.
ولما سمى محمد ابنه موسى الناطق بالحق وأخذا له العهد على الناس الفضل بن الربيع وزيره، وموسى يومئذ لا ينطق بأمر، ولا يعرف حسنا ولا يعقل قبيحا، ولا يخلو من الحاجة إلى من يخدمه في ليله ونهاره ويقظته ومنامه وقيامه وقعوده، وأحضنه علي بن عيسى بن ماهان، قال في ذلك رجل أعمى من أهل بغداد يعرف بعده بن أبي طالب:
أضاع الخلافة غش الوزير ... وفسق الإمام ورأي المشير
وما ذاك إلا طريق الغرور ... وشر المسالك طرق الغرور
فعال الخليفة أعجوبة ... وأعجب منه فعال الوزير
وأعجب من ذا وذا أننا ... نبايع للطفل فينا الصغير
ومن ليس يحسن مسح أنفه ... ولم يخل من نتنه حجرظير
وما ذاك إلا بباغ وغاو ... يريدان نقض الكتاب المنير
وهذان لولا انقلاب الزمان ... أفي العيرهذان أم في النفير
ولكنها فتن كالجبا ... ل نرتع فيها بصنع الحقير
ولما قتل طاهربن الحسين علي بن عيسى بن ماهان سار فنزل حلوان، وذلك على خمسة أيام من مدينة السلام، فتعجب الناس من زيادة أمره، وإدبار أصحاب الأمين وهزيمتهم على كل حال، وأيقنت القلوب بغلبة طاهر وظهور المأمون، وأسقط في يدي الفضل بن الربيع وأصحابه، فقال الشاعرالأعمى في ذلك، وكان مأمونيا متعصبا على محمد بن زبيدة مع المأمون، وكان من أهل بغداد، ومقامه بها، من أبيات:
عجبت لمعشريرجون نجحا ... لأمر ما تتم له الأمور
وكيف يتم ماعقدوا وراموا ... وأس بنائهم منه الفجور
أهاب إلى الضلال بهم غوي ... وشيطان مواعده غرور
يصيب بهم ويلعب كل لعب ... كمالعبت بشاربها الخمور
وكادوا الحق والمأمون غدرا ... وليس بمفلح أبدا غدور
هوالعدل النجيب البرفينا ... تضمن حبه منا الصدور
وعاقبة الأمور له يقينا ... به شهد الشريعة والزبور
فيملك أربعين لها وفاء ... تتم به الأهلة والشهور
فكيدوا أجمعين بكل كيد ... وكيدكم له فيه السسرور
وبلغ محمدا فجمع قواده وبطانته عندما ظهر من أمر طاهر، وشاورهم وقال: أحضروا لي غناءكم كما أحضرت خراسان لعبد الله غناءها، وكانت كما قال أعشى ربيعة:
ثم ما هابوا ولكن قدموا ... كبش غارات إذا لاقى نطح
أما والله حدثت بأحاديث الأمم السالفة، وقرأت كتب حروبها وقصص من أقام دولها، فما رأيت في حديثهم حديثا لرجل منهم - وأبي - كهذا الرجل في إقدامه وسياسته، وقد قصدني وأجترأ علي، وتملى الهامة العظيمة من الجند ومجمع القواد وساسة الحروب، فهاتوا اليوم ما عندكم، فقالوا: يبقي الله أمير المؤمنين، يكفيه كما كفى الخلفاء قبله بغي من بغى عليهم.
ولما انهزم جيش محمد بين يدي طاهر، ولم يقم له قائمة منهم قال سليمان بن أبي جعفر: لعن الله الغدار، ماذا جلب على الأمة بغدره وسوء رأيه، وأبعد الله نسبه من أهل الفضل، ما أسرع ما أنتصر الله للمأمون بكبش المشرق يعنى طاهرا وفي ذلك يقول الشاعر:
Halaman 26