57

(ومنها) أي من ادلة تعيين المحذوف (الاقتران كقولهم للمعرس بالرفاء والبنين) فان مقارنة هذا الكلام لاعراس المخاطب دل على تعيين المحذوف (أي اعرست) أو مقارنة المخاطب بالاعراس وتلبسه به دل على ذلك، والرفاء هو الالتيام والاتفاق والباء للملابسة. والاطناب (اما بالايضاح بعد الابهام ليرى المعنى في صورتين مختلفتين (احديهما مبهمة والاخرى موضحة وعلمان خير من علم واحد (أو ليتمكن في النفس فضل تمكن) لما جبل الله النفوس عليه من ان الشئ إذا ذكر مبهما ثم بين كان اوقع عندها (أو لتكمل لذة العلم به) أي بالمعنى لما لا يخفى من ان نيل الشئ بعد الشوق والطلب الذ (نحو رب اشرح لى صدري فان اشرح لى يفيد طلب شرح لشئ ماله) أي للطالب (وصدري يفيد تفسيره) أي تفسير ذلك الشئ. (ومنه) أي ومن الايضاح بعد الابهام (باب نعم على احد القولين) أي قول من يجعل المخصوص خبر مبتدأ محذوف (إذ لو اريد الاختصار) أي تلك الاطناب (كفى نعم زيد) وفى هذا اشعار بان الاختصار قد يطلق على ما يشتمل المساواة ايضا (ووجه حسنه) أي حسن باب نعم (سوى ما ذكر) من الايضاح بعد الابهام (ابراز الكلام في معرض الاعتدال) من جهة الاطناب بالايضاح بعد الابهام والايجاز بحذف المبتدأ (وايهام الجمع بين المتنافيين) أي الايجاز والاطناب. وقيل الاجمال والتفصيل، ولا شك ان ايهام الجمع بين المتنافيين من الامور المستغربة التى تستلذ بها النفس وانما قال ايهام الجمع لان حقيقة جمع المتنافيين ان يصدق على ذات واحدة وصفان يمتنع اجتماعهما على شئ واحد في زمان واحد من جهة واحدة وهو محال. (ومنه) أي من الايضاح بعد الابهام (التوشيع وهو) في اللغة لف القطن المندوف وفى الاصطلاح (ان يؤتى في عجز الكلام بمثنى مفسر باسمين ثانيهما معطوف على الاول نحو يشيب ابن آدم ويشب فيه خصلتان الحرص وطول الامل واما بذكر الخاص بعد العام) عطف على قوله اما بالايضاح بعد الابهام. والمراد الذكر على سبيل العطف (للتنبيه على فضله) أي مزية الخاص (حتى كأنه ليس من جنسه) أي العام (تنزيلا للتغاير في الوصف منزلة التغاير في الذات) يعنى انه لما امتاز عن سائر افراد العام بماله من الاوصاف الشريفة جعل كأنه شئ آخر مغاير للعام لا يشمله العام ولا يعرف حكمه منه (نحو حافظوا على الصلوات والصلوة الوسطى) أي الوسطى من الصلوات أو الفضلى من قولهم للافضل الاوسط وهى صلاة العصر عند الاكثر (واما بالتكرير لنكتة) ليكون اطنابا لا تطويلا وتلك النكتة (كتأكيد الانذار في كلا سوف تعلمون، ثم كلا سوف تعلمون). فقوله كلاردع عن الانهماك في الدنيا وتنبيه على انه لا ينبغى للناظر لنفسه ان تكون الدنيا جميع همه وان لا يهتم بدينه وسوف تعلمون انذار وتخويف أي سوف تعلمون الخطاء فيما انتم عليه إذا عاينتم ما قدامكم من هول المحشر وفى تكريره تأكيد للردع والانذار (وفى ثم) دلالة (على ان الانذار الثاني ابلغ) من الاول تنزيلا لبعد المرتبة منزلة بعد الزمان واستعمالا للفظ ثم في مجرد التدريج في درج الارتقاء (واما بالايغال) من اوغل في البلاد إذا ابعد فيها واختلف في تفسيره. (فقيل هو ختم البيت بما يفيد نكتة يتم المعنى بدونها كزيادة المبالغة في قولها) أي في قول الخنساء في مرثية اخيها صخر (وان صخر التأتم) أي يقتدى (الهداة به، كأنه علم) أي جبل مرتفع (في رأسه نار) فقولها كأنه علم واف بالمقصود اعني التشبيه بما يهتدى به الا ان في قولها في رأسه نار زيادة مبالغة. (وتحقيق) أي وكتحقيق التشبيه في قول امرء القيس (كان عيون الوحش حول خبائنا) أي خيامنا) وارحلنا الجزع الذى لم يثقب) الجزع بالفتح الحرز اليماني الذى فيه سواد وبياض شبه به عيون الوحش واتى بقوله لم يثقب تحقيقا للتشبيه لانه إذا كان غير مثقوب كان اشبه بالعين قال الاصمعي الظبى والبقرة إذا كانا حيين فعيونهما كلها سواد فإذا ما تا بدا بياضها وانما شبها بالجزع وفيه سواد وبياض بعد ما ماتت والمراد كثرة الصيد يعنى مما اكلنا كثرت العيون عندنا كذا في شرح ديوان امرء القيس، فعلى هذا التفسير يختص الايغال بالشعر. (وقيل لا يختص بالشعر) بل هو ختم الكلام بما يفيد نكتة يتم المعنى بدونها (ومثل لذلك) في غير الشعر (بقوله تعالى قال يا قوم اتبعوا المرسلين اتبعوا من لا يسألكم اجرا وهم مهتدون) فقوله وهم مهتدون مما يتم المعنى بدونه لان الرسول مهتد لا محالة الا ان فيه زيادة حث على الاتباع وترغيب في الرسل. (واما بالتذييل وهو تعقيب الجملة بجملة اخرى يشتمل على معناها) أي معنى الجملة الاولى (للتأكيد) فهو اعم من الايغال من جهة انه يكون في ختم الكلام وغيره واخص من جهة ان الايغال قد يكون بغير الجملة ولغير التأكيد (وهو) أي التذييل (ضربان ضرب لم يخرج مخرج المثل بان لم يستقل بافادة المراد) بل يتوقف على ما قبله (نحو ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازى الا الكفور على وجه) وهو ان يراد وهل نجازى ذلك الجزاء المخصوص الا الكفور فيتعلق بما قبله واما على الوجه الآخر وهو ان يراد وهل نعاقب الا الكفور بناء على ان المجازاة هي المكافاة ان خيرا فخيرا وان شرا فشرا فهو من الضرب الثاني (وضرب اخرج مخرج المثل) بان يقصد بالجملة الثانية حكم كلى منفصل عما قبله جار مجرى الامثال في الاستقلال وفشوا الاستعمال (نحو وقل جاء الحق وزهق الباطل ان الباطل كان زهوقا وهو ايضا) أي التذييل ينقسم قسمة اخرى واتى بلفظة ايضا تنبيها على ان هذا التقسيم للتذييل مطلقا لا للضرب الثاني منه (اما) ان يكون (لتأكيد منطوق كهذه الآية) فان زهوق الباطل منطوق في قوله وزهق الباطل. (واما لتأكيد مفهوم كقوله ولست) على لفظ الخطاب (بمستبق اخا لا تلمه) حال من اخا لعمومه أو من ضمير المخاطب في لست (على شعث) أي تفرق حال وذميم خصال فهذا الكلام دل بمفهومه على نفى الكامل من الرجال وقد اكده بقوله (أي الرجال المهذب) استفهام بمعنى الانكار أي ليس في الرجال منقح الفعال مرضى الخصال. (واما بالتكميل ويسمى الاختراس ايضا) لان فيه التوقى والاحتراز عن توهم خلاف المقصود (وهو ان يؤتى في كلام يوهم خلاف المقصود بما يدفعه) أي يدفع ايهام خلاف المقصود وذلك الدافع قد يكون في آخر الكلام فالاول (كقوله فسقى ديارك غير مفسدها) نصب على الحال من فاعل سقى وهو (صوب الربيع) أي سقى نزول المطر ووقوعه في الربيع (وديمة تهمى) أي تسيل فلما كان نزول المطر قد يؤل إلى خراب الديار وفسادها اتى بقوله غير مفسدها دفعا لذلك. (و) الثاني (نحو اذلة على المؤمنين) فانه لما كان مما يوهم ان يكون ذلك لضعفهم دفعه بقوله (اعزة على الكافرين) تنبيها على ان ذلك تواضع منهم للمؤمنين ولهذا عدى الذل بعلى لتضمنه معنى العطف ويجوز ان يقصد بالتعدية بعلى الدلالة على انهم مع شرفهم وعلو طبقتهم وفضلهم على المؤمنين خافضون لهم اجنحتهم. (واما بالتتميم وهو ان يؤتى في كلام لا يوهم خلاف المقصود بفضلة) مثل مفعول أو حال أو نحو ذلك مما ليس بجملة مستقلة ولا ركن كلام. ومن زعم انه اراد بالفضلة ما يتم اصل المعنى بدونه فقد كذبه كلام المصنف في الايضاح وانه لا تخصيص لذلك بالتتميم (لنكتة كالمبالغة نحو ويطعمون الطعام على حبه، في وجه) وهو ان يكون الضمير في حبه للطعام (أي) ويطعمون (مع حبه) والاحتياج إليه وان جعل الضمير لله تعالى أي يطعمونه على حب الله فهو لتأدية اصل المراد (واما بالاعتراض وهو ان يؤتى في اثناء الكلام أو بين كلامين متصلين معنى بجملة أو اكثر لامحل لها من الاعراب لنكتة سوى دفع الايهام) لم يرد بالكلام مجموع المسند إليه والمسند فقط بل مع جميع ما يتعلق بهما من الفضلات والتوابع. والمراد باتصال الكلامين ان يكون الثاني بيانا للاول أو تأكيدا أو بدلا منه (كالتنزيه في قوله تعالى ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون) فقوله سبحانه جمله لانه مصدر بتقدير الفعل وقعت في اثناء الكلام لان قوله ولهم ما يشتهون عطف على قوله لله البنات (والدعاء في قوله.

Halaman 179