فقالوا: قد أخبرنا أن له يمينا، وإنما خاطبنا بما نعقل، وعلى ما نعرف، قلنا فإن كان ذلك كذلك فلسنا نعرف أحدا له يمين إلا له يسار، وقد يكون الرجل أيمن إذا كان أكثر عمله بيمينه، وقد يكون أعسر إذا كان عمله بيساره، وقد يكون أعسر أيسر إذا كان عمله بهما جميعا سواء، فعلى أي هذه تعزمون من صفات معبودكم (¬1) ، ولا صفة إلا ما ذكرنا؟ وليس من صفات الإنسان أكمل من أن يكون أعسر أيسر، وقد ينبغي أن تقولوا أعسر أيسر كما قال الشاعر:
كلا يدي عمرو الغداة يمين
ولو كنا متى سمعنا بيمين لم يكن بد من أن يكون اليمين يدا جارجة، كأن إذا قال الشاعر:
فلما تغشى كل شهر ظلامه ... وألقى يدا في كافر الشمس مغرب
وقال آخر يصف ظليما ونعامة:
فتذكرا ثقلا وئيدا بعدما ... ... ... ألقت ذكاء يمينها في كافر (¬2)
¬__________
(¬1) معبودهم الذي يصورنه بصورة الإنسان. وكل هذه الأفكار دخيلة على المسلمين، جاءت إليهم من اتصالهم بفلسفة اليونان وفلسفة الفرس، وخزعبلات اليهود، وكل هذه الأشياء تعتقد بتجسيم الإله. ألم يقل اليهود لموسى عليه السلام: "أرنا الله جهرة"؟ ألم يتخذوا العجل إلها لهم...؟
وكذلك فلسفة اليونان وفلسفة الفرس لا تؤمنان إلا بالتجسيم، وعلى المسلمين أن يتخلصوا من هذه الأشياء، ويهتدوا بهدي الوحي الذي جاءهم من عند الله.
(¬2) جاءت في المطبوعة: رئيدا بدلا من (وئيدا) وهو تحريف، والمعروف أن الشمس هي كوكب من الكواكب التي خلقها الله سبحانه وتعالى: وهي مخلوق عجيب ملتهب، وليست لها أيادي ولا أقدام، ولكن الشاعر أنزلها منزلة الإنسان الذي له يدان ورجلان على طريقة المجاز لا الحقيقة، وأي فهم غير هذا الفهم يحمل في طياته التعنت والمكابرة، والله أعلم.
Halaman 145