قال السفير: «نحن نرجو أن تؤخر هذه المكاشفة حتى يكون لنا معك حديث آخر.»
قلت: «إذن ستتلقون مني ردا يوم الأحد أو الإثنين بعد استشارة الخبراء؛ حتى لا أؤخر كثيرا مكاشفة الزملاء.»
وهنا انتقلت من الحديث الفني العسكري إلى الوضع السياسي، وقلت لهما: «أنتم لا تدركون تماما - على ما يظهر لي - الوضع السياسي في البلاد، وكيف يتأثر تأثرا خطرا وخطيرا بالتصميم على أوضاع هي مهما صورتموها، وحاولتم صبغها بصبغة تظنونها مقبولة، فهي الاحتلال بعينه، بل الاحتلال الذي لا لزوم له! إن البلاد الآن في حالة غليان فكري، وإذا كان هذا الغليان لم ينتقل بعد إلى حالة من العنف، فالفضل في ذلك للإجراءات والتدابير التي تقوم بها الحكومة. «نعم إن بالبلاد الآن هيئات متعددة متنوعة، وكلها في حالة تحفز، ومن هذه الهيئات ما هو سياسي، ومنها ما هو لطوائف صاخبة، كالطلبة، والعمال، ومنها هيئات متعددة اشتراكية واجتماعية من أولئك الراغبين في تحسين أحوال الطوائف الفقيرة، ومنها الهيئات السرية للشيوعيين وغير الشيوعيين - كل هذا ينذر بانفجار إذا لم تجب مطالب البلاد، وإني لمندهش كيف لا تزالون تصرون على أوضاع أرى شخصيا أنها أوضاع لا لزوم لها، بينما في استطاعة مصر أن تقوم بواجبها من ناحية الدفاع في أحسن ما يمكن من الأوضاع؟!»
وكان هذا نهاية الحديث، وقد تأثر اللورد ستانسجيت، والسفير من وصفي للحالة الفكرية التي عليها مصر الآن.
22 أبريل سنة 1946
ذهبت إلى قصر الزعفران في منتصف الساعة الحادية عشرة صباحا - وأذكر أنه كان يوم شم النسيم - فوجدت السفير واللورد في انتظاري، وبعد تبادل التحيات سلمتهما مذكرة الخبراء المصريين العسكريين ومذكرتي السياسية، وكلتاهما بتاريخ 21 أبريل، وقد أمضيا وقتا في قراءة المذكرتين، وهما قاطعتان في رفض جميع المقترحات البريطانية التي اشتملت عليها مذكرة 19 أبريل، وكان عجيبا أنه على الرغم من جنوحي إلى بعض الشدة في عبارات المذكرة السياسية لم يحاولا مناقشتها، بل اكتفى اللورد بأن اعترض على ما جاء بمذكرة الخبراء المصريين خاصا بفرقة الطيران، فقال: «إن اقتراحنا وجود هذا الفرقة بالأراضي المصرية هو؛ لأن مجيئها من مسافات بعيدة قد يرهقها، ويوهن قوتها قبل أن تنزل إلى الميدان»، فقلت: «إن خبراءنا لا يقصدون إلا أن تبقى هذه الطائرات في طريق الغزو؛ لتعترض سبيل الطائرات المعادية إلى مصر.»
فقال اللورد: «ولكن طائرات الغزو قد تحضر إليكم من مكان ليس ببعيد، فهم يتحدثون الآن عن إنشاء قاعدة لروسيا بالدردنيل، وهي البقعة التي تستطيع روسيا أن تشرف منها على البحر المتوسط.»
فقلت: «إن مطالب روسيا بحسب ما يلوح لي إطلاق حرية المضايق، وليس إنشاء سيطرة عليها تعطى لدولة من الدول، وهذا هو موقفها على ما يقولون بالنسبة للقناة، ولا شك عندي أن تركيا - فوق معارضتكم ومعارضة الولايات المتحدة - لا تقبل أن تكون لروسيا قاعدة حربية على الدردنيل، وسياسة روسيا قائمة على الإيهام والتهويش، لا على التنفيذ والعنف!»
وبعد ذلك انتقل الحديث إلى موضوع القاعدة التي يسمونها «إدارية»، وكان المتحدث في الغالب هو السفير، فقال: «إنه ظاهر من حديثك أول أمس، ومن مذكرتك الحالية، أنكم لا تزالون تعتقدون أن لإنجلترا بعض النوايا غير الواضحة، وأنها قد تعتدي على سيادتكم، والواقع أننا لا نقصد إلا إلى شيء واحد هو: «تأمين مصر ضد الغزو، واخترنا لذلك كل حل بعيد عن فكرة التشبث بفكرة الاحتلال، وها أنتم ترون أن لب التدابير يرجع إلى شئون فنية، واحتياطات بعيدة عن أن تمثل السيطرة في شيء.»
قلت: «إذن أنتم لا تتشبثون بفرقة الطيران، وهي مظهر احتلال بحت.»
Halaman tidak diketahui