كل وقته للعمل
وكان الملك فؤاد عجيب الأطوار، إلى حد أنه لما تولى الحكم، كان كأنه تسلم رسالة من المولى - سبحانه وتعالى - بأن يكون نعمة على البلد، فكان كل وقته مكرسا للعمل ... وربما كان غريبا لبعض الناس أن الملك فؤاد كان يعلم من أعمال الحكومة ما لا يعلمه الوزراء أنفسهم، وكنا نحن الوزراء نذهب للاجتماع معه، ونحن نعلم أنه قد درس المسائل التي سنتناقش فيها دراسة ضافية، وزاد على ما قدم له من مذكرات، وبيانات بمراجع وأبحاث من عنده.
وكم يرتاح من هو في سني في الوقت الحاضر، إذ يرى أكبر هم لمليكنا المحبوب فاروق أن يقتدي بوالده، ويحب - لو استطاع - أن يعمل كما كان يعمل سلفه العظيم.
تنازل الخديوي عباس عن العرش
لعل من محاسن الاتفاق أني كنت أول من هنأ الملك فؤاد بالعرش سنة 1917، وأول من عمل لتوطيد عرشه بالاتفاق مع الخديو السابق عباس حلمي الثاني على التنازل عن عرش مصر سنة 1931.
وقد مر بك في الكلمة السابقة، كيف أنبأني جلالته بنبأ عرض العرش عليه بعد وفاة السلطان حسين كامل، وكيف هنأته لهذا النبأ السعيد. واليوم أتحدث عن اتفاقي مع الخديو عباس على التنازل عن عرش مصر لجلالة عمه الملك فؤاد ...
حق لا ينازع!
كان الخديو عباس قد سافر إلى الآستانة في صيف سنة 1914، فلما قامت الحرب العالمية الأولى وأراد العودة إلى مصر، انتهز الإنجليز فرصة قيام تلك الحرب، ومنعوه من العودة إلى بلاده بحجة انضمامه إلى أعدائهم، ثم أعلنوا خلعه في 19 ديسمبر سنة 1914، فآل الحكم إلى السلطان حسين كامل باعتباره أكبر أمراء الأسرة العلوية، عملا بفرمان سلطان تركيا الذي صدر في مايو سنة 1841، والذي ينص على أن ولاية مصر تنتقل لأكبر أولاد محمد علي باشا الذكور وأولاد أولاده.
ولكن الخديو عباس لم يعترف بهذا الخلع؛ لأنه لم يصدر من سلطان تركيا؛ ولأن ذلك الفرمان قد ألغي بفرمان سنة 1866، الذي حصل عليه الخديو إسماعيل باشا من السلطان، وينص على أن ولاية مصر تكون لأكبر أنجال الوالي طبقة بعد طبقة، وقد تولى والده الخديو توفيق باشا بهذا الفرمان، كما تولى هو العرش بمقتضاه، فهو صاحب الحق الذي لا ينازع!
وقد أعلن استقلال مصر في 15 مارس سنة 1922، واعترفت بريطانيا بأحمد فؤاد الأول ملكا على مصر، كما اعترفت بولاية العهد «للأمير فاروق»، ووضع الملك فؤاد نظاما لتوارث عرش المملكة المصرية، وصدر به أمر ملكي، ولم يكن الخديو قد تنازل من جهته عن حقه، ولم يعترف بهذا النظام، فكان من المهم تسوية هذه المسألة تسوية نهائية حتى لا تبقى معلقة إلى ما شاء الله.
Halaman tidak diketahui