يخيل لنا أن الحياة تمشي على مهل، وأن أعمالنا فيها كثيرة لا يحصيها عد، ألسنا في ذلك كالحالم الذي يطوف الخافقين ويقف على حوادث الأولين والآخرين، ويسر ويحزن ويموت ويحيا ويفعل كل شيء سواء كان ممكنا أو مستحيلا في ساعة أثناء نومه، ويظن أنه قد استغرق ذلك الشهور والسنين.
من يدري إذا لم نكن نحن في عملنا على الأرض خيالات مسخرة تعمل ما تريده القوة الخفية في الكون، وإن أحست أن لها وجودا مستقلا، أليس من الممكن أن يكون حقا ما يقال من أن الله خلقنا على صورته، أي أنا خيالات هاته القدرة الهائلة، فنعمل ما تعمل ونتحرك بحركاتها ونسكن بسكونها ونظن خطأ أنا نريد ما نعمل.
خيالات نحن ثم نئن من الحياة، ماذا في الحياة حتى نئن منها أو نسر بها أو يبلغ بنا اليأس أمامها، إنها فارغة فاضية وكل ما نملأها به إنما هو لا شيء. عملنا وسعينا وسرورنا وحزننا وشقاؤنا وسعادتنا عقائدنا وأفكارنا حربنا وسلمنا، كل ذلك راجع إلى لا شيء.
11 يناير
ها أنا اليوم لا أعبأ بأمر ولا أحفل بشيء، ضميري صامت ساكت أمام الحوادث، ونفسي لا تناجيني بخير ولا بشر، كل ما أمامي من الأشياء والناس والحوادث لا يستلفت مني نظرة ولا يعيرني التفاتة، وشخصي كله هادئ بل جامد لا يستفزه أسف أو ألم لماض أو لحاضر.
كنت في العام الأخير ريشة تلعب بي الحوادث وتغيرني الأيام، وكل خبر يصلني من مصر أو مسألة تجد هنا تجد مني قلبا حساسا حتى كان يبلغ بها اليأس أحيانا أقصى غاياته، وكنت أجلس مكتئبا حزينا ترى عيني الوجود أمامها داعية آلام فتغلبها الدمعة، ويحيط بي وبخيالي وجودي الآسي، وآسف أن تركت أهلي وبلدي، أما الآن فلا شيء من ذلك. بل إن من الحوادث التي كانت ذات أثر كبير من قبل ما يمر أمامي فأتفرج عليه غير آس ولا أسف.
كذلك كل ما أعمل لا يترك في نفسي أقل أثر من فرح أو حزن أو سرور أو ألم أو أسف، على العموم أصبحت جامدا أمام الكون صلدا.
ومهما جاهدت فلا أستطيع معرفة أسباب ذلك كله، وغاية ما أفهم أنه نتيجة لازمة لنوع الحياة الذي أنا فيه، وللتطور الفكري عندي ولفطرتي الساكنة بطبعها، كل هذه العوامل تفاعلت وعملت واحدتها في الأخرى فأوصلتني معا لحالي الحاضرة، وهل بقاء الإنسان بعيدا عن كل قلب يحبه وعن نظرات يخالطها الحنان والعطف ثم عن الأصدقاء القديمين أصدقاء الطفولية حيث كل شيء فيهم يحيي أثرا قديما وعن مصر موضع الآمال ومستقر الرغائب، وعيشة بين من لا يهتم له ولا يتأثر به ولا يعرف من أمره من شيء، هل ذلك إلا يطبع النفس بعد أن تصيبها الأحزان وتتوالى عليها الحوادث، على الجمود أمام كل شيء والنظر لكل شيء بالعين الباردة التي ينظر هو بها إلينا.
ولكن الشر الأكبر هو أن الجمود بلغ عندي أن أصبحت جامدا أمام نفسي وأمام ما أعمل، ولست أدري إن كان ذلك ليضرني أو لينفعني، وكل ما أحس به أن هذه الحياة الحاضرة هي حياة لذيذة طيبة ليس من السهل الاستعاضة عنها بخير منها ولا بمثلها، ووددت لو أبقى كذلك غير مسؤول من أحد بقية أيامي التي أرجو أن تكون طويلة أطول ما يمكن.
طويلة أطول ما يمكن، ولماذا؟ لتكن طويلة أو قصيرة، مسرعة أو بطيئة؛ فما ذلك ليغير مني أنا شيئا ولا ليزيد أو لينقص من حظي كثيرا ولا قليلا، الحياة هنا، الحياة الجامدة الباردة، الحياة التي لا تشوبها أغراض ولا أطماع، هي لا شك خير أنواع الحياة أو أقربها للعقل، ولكنها كذلك أشبهها بالموت.
Halaman tidak diketahui