ولكن وحق من خلقك! ما حد بيطرش الدم إلا محاسيبك يا سيدي القارئ، إذا اشتدت الأزمة وكشر الدهر عن نابه الأزرق، وابتدأ يستبدل أيام الصفا بليالي الغلب، نحن في هذه الحالة نستحق رحمة حقيقية؛ لأن فيما نقاسيه درس من دروس نكبات الإنسانية من الإنسانية.
ترك لي أبي - محسوبك الأسطى أحمد الإسكندراني - عدا الصنعة سبع عربات، وثمانية أزواج خيل، من وارد السلطة، وبواقي تركات وارد مزادات وحجوزات على أولاد العز والبحبحة، حينما تبتدئ الحالة تنتهي وتزنق المداينين عليهم «لحد هنا كويس» ولكن الحال أصبحت لا تحتمل، وابتدأت أكع من اللحم الحي بعد أن انتشرت في شوارع القاهرة هذه السيارات، من كبير كالبيوت المتحركة إلى صغير كعربات اليد، وسمحت لهم المحافظة «حفظها الله» أن تضع رأسنا بين المطرقة والسندال، واحتار الواحد منا بين أكل البهايم وأكل العيال.
حتى في شارع الموسكي - أجارك الله - بقت التوصيلة بقرش، وضعنا، وضاع معنا الصبان، وسوارس دربك، يرحم الجميع.
وجاءت وزارة المالية أخيرا فأضاعت الأمل الباقي لنا في أسيادنا الموظفين بخصم علاوة الحرب، وحليت الركنة في الموقف، وصار الموظف يفضل «لطشة الشمس» ظهرا في إحدى محطات الترام عن لطشة الأجرة من جيبه، وبالاختصار بقى الواحد منا ينده ويقول: «آجي يا بيه؟» ولا فيش بهوات.
فلهذه الأسباب بعت جميع ما أملك إلا عربة واحدة محافظة على «سمعة العائلة» وشرف الاسم، وحبا في صنعة نشأت بين أحضانها، ووجدت نفسي على كرسيها «كرسي لا فيه استعفاء ولا مجلس تأديب».
بل قل: إن هذه الوظيفة بحوادثها لذت لي بين محاضر بوليس خفافي، وأوامر من شفخانات الحكومة، وتلاقيح زباين، وتزانيق طلعت على راس محسوبك «اللي ما يسمى».
الله يعلم بعدد من وضعوا أرجلهم على سلم عربتي، آلاف وآلاف، ولكن بالرغم من ذلك هناك شخصيات يستحيل أن ينساها مثلي؛ لأنها بارزة في شكلها، معرفة من وصفها، لا يصح ذكر الاسم؛ لأن في وصفي لها ما يكفي عن تعريفها.
سأبتدئ بزبون سقع، ظهر حديثا في البلد وأثناء الحرب «جه منين؟ أصله إيه؟ مش لازم تعرف» إنه يسكن حلوان على ما أظن، فطالما أخذته من محطة باب اللوق وإليها في ساعات متأخرة من الليل وصباحا، بيه؟ أفندي؟ ربك يعلم، كل ما فيه أن شخصيته بارزة، فإذا رأيته مرة انطبعت صورته في مخيلتك فلا تنساه.
ضحكاته يسمعها القريب بوضوح والبعيد أيضا؛ لأن ضحكته التي يرسلها من حلقه لها قوة النحاس ورنينه، أما أحاديثه - حتى معي - فلا يمكن أن تتصور أتفه منها، وله أمثال يحفظها كثيرا، ما كنت أستعرضها أمام رفاقي وآل بيتي فكانوا يعجبون لصدورها من سعادته.
يتكلم من الإفرنسية جمل الاعتذار والتحية، يقابلك صباحا بنسوار، ومساء بنجور، وينسى أن لا يسمع في منزله إلا العوافي، ويا ميت مسا، ويكون العالم سعيرا فيقابلك بكل برود قائلا بالفرنسية: «إن البرد شديد» لا يقصد الغلط، وإنما ليدلك على علمه الفاضح.
Halaman tidak diketahui