Memoir Geografi di Negara Syria
المذكرات الجغرافية في الأقطار السورية
Genre-genre
وبين القوانين التي وضعت للبحريين في ذلك العهد أنه لا يسوغ أن يتجاوز هذا العدد الأخير،
11
ومن المعلوم أن سفن ذلك الزمان كانت شراعية لا يمكنها السفر إلا في فصول محدودة، وقد نبه ابن جبير إلى هذا الأمر بقوله (ص311): «وفي مهب الريح بهذه الجهات سر عجيب، وذلك أن الريح الشرقية لا تهب فيها إلا في فصلي الربيع والخريف، والسفر لا يكون إلا فيهما، والتجار لا ينزلون إلى عكا بالبضائع إلا في هذين الفصلين في السفر ونصف الفصل الربيعي من أبريل، وفيه تتحرك الريح الشرقية وتطول مدتها إلى آخر شهر مايه وأكثر وأقل، بحسب ما يقضي الله تعالى به، والسفر في الفصل الخريفي من نصف أكتوبر، وفيه تتحرك الريح الشرقية، ومدتها أقصر من المدة الربيعية، وإنما هي خلسة من الزمان قد تكون خمسة عشر يوما وما سوى ذلك من الزمان، فالرياح فيه تختلف، والريح الغربية أكثرها دواما، فالمسافرون إلى المغرب وإلى صقلية وإلى بلاد الروم ينتظرون هذه الريح الشرقية في هذين الفصلين انتظار وعد سابق، فسبحان المبدع في حكمته المعجز في قدرته لا إله سواه.»
وكانت حياة الركاب على تلك السفن الكبيرة ذات حركة وتقلبات كأنها المدن الصغرى، تمثل كل أطوار المعيشة اليومية، ومما أثبته ابن جبير في رحلته وصف عيد أقامه النصارى على ظهر السفينة بأبهة عظيمة ورونق عجيب، قال (ص313): «وفي ليلة الخميس الرابع والعشرين لرجب - وهو أول يوم من نونير (كذا) العجمي - كان للنصارى عيد مذكور عندهم احتفلوا له في إسراج الشمع، وكاد لا يخلو أحد منهم - صغيرا أو كبيرا، ذكرا أو أنثى - من شمعة في يده، وتقدم قسيسوهم للصلاة في المركب بهم، ثم قاموا واحدا واحدا لوعظهم وتذكيرهم بشرائع دينهم، والمركب يزهر كله أعلاه وأسفله سرجا متقدة، وتمادينا على تلك الحالة أكثر تلك الليلة.»
وكان المركب في تلك الأثناء ابتعد عن سواحل الشام، واقترب من جزيرة صقلية، فلا حاجة أن نتعقب آثار سائحنا بعد ذلك، وإنما ندون هنا بعض الملحوظات العمومية التي تستفاد من رحلة ابن جبير بخصوص الشام، ومن أقواله ما يفيد ويروح الألباب معا.
فمن ذلك أنه يستعمل أسماء الشهور القمرية والرومية معا، كما رأيت في النص الأخير، ومنها ما لحظه في أهل الشام من المبالغة في اتخاذ الألقاب، والتعظيم في السلام بما لا أثر له اليوم، قال (ص288): «ومخاطبة أهل هذه الجهات قاطبة بعضهم لبعض بالتمويل والتسويد، وبامتثال الخدمة وتعظيم الحضرة، وإذا لقي أحد منهم آخر مسلما يقول جاء المملوك أو الخادم برسم الخدمة، كناية عن السلام، فيتعاطون المحال تعاطيا، والجد عندهم عنقاء مغرب، وصفة سلامهم إيماء للركوع أو السجود، فترى الأعناق تتلاعب بين رفع وخفض وبسط وقبض، وربما طالت بهم الحالة في ذلك فواحد ينحط وآخر يقوم، وعمائمهم تهوي بينهم هويا، وهذه الحالة في الانعطاف الركوعي في السلام كنا عهدناه لقينات النساء، فيا للعجب منهم إذا تعاملوا بهذه المعاملة، وانتهوا إلى هذه الغاية في الألفاظ بينهم! فبماذا يخاطبون سلاطينهم ويعاملونهم؟ لقد تساوت الأذناب عندهم والرءوس، ولم يميز لديهم الرئيس والمرءوس ...»
وقد أثنى في محل آخر على احتفاء أهل الشام بالضيوف، وحسن معاملتهم للغريب، فقال (ص278): «فالغريب المحتاج هنا إذا كان على طريقة مصون محفوظ غير مريق ماء الوجه، وسائر الغرباء ممن ليس على هذه الحال ممن عهد الخدمة والمهنة، يسبب له أيضا أسباب غريبة من الخدمة، إما بستان يكون ناطورا فيه، أو حمام يكون عينا على خدمته وحافظا لأثواب داخلية، أو طاحونة يكون أمينا عليها، أو كفالة صبيان يؤديهم إلى محاضرهم ويصرفهم إلى منازلهم، إلى غير ذلك من الوجوه الواسعة.»
ومن ثم يدعو أهل وطنه ليأتوا بلاد الشام؛ لينتجعوا خيراتها العميمة، قال (285): «فمن شاء الفلاح من نشأة مغربنا فليرحل إلى هذه البلاد، ويتغرب في طلب العلم فيجد الأمور المعينات كثيرة، فأولها: فراغ البال من أمر المعيشة، وهو أكبر الأعوان وأهمها، فإذا كانت الهمة فقد وجد السبيل إلى الاجتهاد، ولا عذر للمقصر إلا من يدين بالعجز والتسويف؛ فهذا المشرق بابه مفتوح لذلك، فادخل أيها المجتهد بسلام، وتغنم الفراغ والانفراد قبل علق الأهل والأولاد، ويقرع سن الندم على زمن التضييع، والله يوفق ويرشد، لا إله سواه ... ولو لم يكن بهذه الجهات المشرقية كلها إلا مبادرة أهلها لإكرام الغرباء وإيثار الفقراء، ولا سيما أهل باديتها، فإنك تجد من بدار إلى بر الضيف عجبا، كفى بذلك شرفا لها، وربما يعرض أحدهم كسرته على فقير فيتوقف عن قبولها، فيبكي الرجل ويقول: لو علم الله في خيرا لأكل الفقير طعامي، لهم في ذلك سر شريف.»
وفي كل هذه الأقوال ما يدل على اعتبار ابن جبير لأهل الشام وارتياحه لسجاياهم الطيبة. •••
كفى بهذه الأمثلة شاهدا على اقتدار المؤلف وخواص كتابه وحسن نظره بالأمور، وهذا ما حمل كثيرين على نقله إلى اللغات الأوروبية بتمامه، أو بأقسام منه ومن ذلك ترجمة كاملة إيطالية نشرها في العام المنصرم العلامة سكيابارلي.
Halaman tidak diketahui