Memoir Geografi di Negara Syria
المذكرات الجغرافية في الأقطار السورية
Genre-genre
3
كما يشير إليها الجغرافيون المحدثون بعد أن حسنوا هذه الطريقة وزادوها دقة.
خريطة للشريف الإدريسي.
هذا وإن في رواياتهم وأوصافهم نفسها مبالغات هي من الغرابة بمكان، ينبغي على العاقل ألا يقبلها إلا بعد الروية والانتقاد، وهذه النقيصة تعم زمانهم حيث كانت العلوم الطبيعية في مهدها.
ومما يؤخذ على كثيرين منهم آفة النقل والسرقة، فإنهم يروون ما سبق إليه غيرهم بحرفه دون الإشارة إلى التآليف التي نقلوا عنها، وربما خدع القارئ بكثرة الشواهد في بعض الأمور، ولو تروى لوجد أنها كلها راجعة إلى مصدر واحد، وأن الخلف نسخوا عن السلف دون فرق يذكر في اللفظ والمعنى، ودونك ما كتبه في هذا الصدد شمس الدين المقدسي، وغايته أن يبين بقوله فضل تأليفه على تآليف من تقدمه، وكلامه مع طوله جدير بالاعتبار، يوقفنا على طريقة بعض كتبة العرب في مصنفاتهم إلى زمن المؤلف في القرن العاشر، قال: «اعلم أني أسست هذا الكتاب على قواعد محكمة، وأسندته بدعائم قوية، وتحريت جهدي الصواب، واستعنت بفهم أولي الألباب، فما وقع عليه اتفاقهم أثبته، وما اختلفوا فيه نبذته، وما لم يكن لي بد من الوصول إليه والوقوف عليه قصدته، وما لم يقر في قلبي ولم يقبله عقلي أسندته إلى الذي ذكره، أو قلت: زعموا، ووشحته بفصول وجدتها في خزائن الملوك.
وكل من سبقنا إلى هذا العلم لم يسلك الطريق التي قصدتها ولا طلب الفوائد التي أردتها، أما أبو عبد الله الجيهاني، فإنه كان وزير أمير خراسان، وكان صاحب فلسفة ونجوم وهيئة، فجمع الغرباء وسألهم عن الممالك ودخلها، وكيف المسالك إليها، وارتفاع الخنس منها وقيام الظل فيها؛ ليتوصل بذلك إلى فتوح البلدان، ويعرف دخلها، ويستقيم له علم النجوم ودوران الفلك. ألا ترى كيف جعل العالم سبعة أقاليم؟ وجعل لكل إقليم كوكبا، مرة يذكر النجوم والهندسة، وكرة يورد ما ليس للعوام فيه فائدة، وتارة ينعت أصنام الهند، وطورا يصف عجائب الهند، وحينا يفصل الخراج والرد، ورأيته ذكر منازل مجهولة، ومراحل مهجورة، ولم يفصل الكور، ولا رتب الأجناد، ولا وصف المدن، ولا استوعب ذكرها، بل ذكر الطرق شرقا وغربا وشمالا وجنوبا مع شرح ما فيها من السهول والجبال والأودية والتلال والمشاجر والأنهار، وبذاك طال كتابه وغفل عن أكثر طرق الأجناد، ووصف المدائن الجياد. وأما أبو زيد البلخي فإنه قصد بكتابه «الأمثلة وصورة الأرض» بعدما قسمها على عشرين جزءا، ثم شرح كل مثال واختصر، ولم يذكر الأسباب المفيدة، ولا أوضح الأمور النافعة في التفصيل والترتيب، وترك كثيرا من أمهات المدن فلم يذكرها، وما دون البلدان، ولا وطأ الأعمال، ألا ترى أن صاحب خراسان استدعاه إلى حضرته ليستعين به؟ فلما بلغ جيحون كتب إليه: «إن كنت استدعيتني لما بلغك من صائب رأيي، فإن رأيي يمنعني من عبور هذا النهر»، فلما قرأ كتابه أمره بالخروج إلى بلخ. وأما ابن الفقيه الهمذاني فإنه سلك طريقة أخرى، ولم يذكر إلا المدائن العظمى ولم يرتب الكور والأجناد، وأدخل في كتابه ما لا يليق به من العلوم؛ مرة يزهد في الدنيا، وتارة يرغب فيها، ودفعة يبكي، وحينا يضحك ويلهي. وأما الجاحظ وابن خرداذبة، فإن كتابيهما مختصران جدا، لا يحصل منهما كثير فائدة.»
ثم عاد المؤلف بعد هذا بأسطر إلى تبرئة نفسه من جناية السرقة، فقال (ص6): «لا نذكر شيئا قد سطروه، ولا نشرح أمرا قد أوردوه إلا عند الضرورة، لئلا نبخس حقوقهم لا نسرق من تصانيفهم.»
ومع هذا ترى المقدسي نفسه بعد قوله عن ابن خرداذبة إنه: «مختصر جدا لا يحصل منه كثير فائدة» ينقل عنه كل أقيسة مراحله وتفاصيل أخرى عديدة، دون أن يذكر اسمه، وهو يفعل بابن الفقيه فعله بابن خرداذبة، فيأخذ عنه نصوصا كثيرة، ولا يذكر اسمه أكثر من ثلاث مرات، مع أنه يلومه لإدراجه أشياء عديدة في كتابه لا طائل تحتها.
ومما نأخذه على جغرافيي العرب أنهم لم يكتفوا بوصف بلاد مخصوصة، بل وسعوا نطاق عملهم إلى جغرافية الأرض كلها بأقاليمها، وقد جروا في ذلك جري المؤرخين الذين أرادوا تدوين أخبار العالم كله والممالك جمعاء، فكانت نتيجة هذا العمل أنهم لم يعطوا البلاد حقها من الوصف، وكذا يقال عن بلاد الشام التي لا تشغل في تآليفهم إلا مكانا ضيقا، ولو قصروا النظر إليها وحدها لأدوا حقوقها واستوفوا معانيها، ولعلهم فعلوا ذلك لعلمهم بندرة الكتب؛ لتكون تآليفهم جامعة لشتات التاريخ ولوصف البلدان، ونحن مع إقرارنا بهذه المنفعة نتأسف على قلة من تعمقوا في تعريف بلادنا، ألا ترى مثلا أبا الفداء وموطنه بلاد الشام، لو اجتزأ بوصف بلاده بدلا من وصف كل البلاد لكان كتابه «تقويم البلدان» أجزل نفعا وأكمل وصفا، يحتوي من التفاصيل ما لا يرى في غيره كما فعل الهمداني في «صفة جزيرة العرب».
وقد بقي علينا أن نورد هنا أخص المطبوعات الجغرافية؛ لأننا في المقالات التالية سوف نشير إليها مرات عديدة، فها نحن نذكرها مع بيان خواصها وفضل أصحابها. وقد اكتسب المستشرقون شكر العلماء؛ إذ وجهوا الأنظار إلى أخص النصوص التاريخية والجغرافية فنشروها، وقربوا بنشرها منافعها، وأدنوا مواردها بحيث أمكن المنتقد أن يتبين ما تتضمنه من الفوائد والفرائد.
Halaman tidak diketahui