Mesir Pada Awal Abad Kesembilan Belas 1801–1811 (Bahagian Pertama)
مصر في مطلع القرن التاسع عشر ١٨٠١–١٨١١م (الجزء الأول)
Genre-genre
وعلى ضوء ما تقدم إذن كانت المشاكل التي صادفت محمد علي عند استلامه أزمة الحكم وبعد رحيل القبطان باشا ثلاثا: درء الخطر المملوكي عن العاصمة ، واستئناف النضال مع البكوات لتأمين ولايته، ثم معالجة مسألة الجند لإرسالهم لمطاردة المماليك وقتالهم، وأخيرا تدبير المال اللازم لدفع مرتبات الجند قبل أي شيء آخر. وقد سارت هذه المشاكل الثلاث جنبا إلى جنب كما ارتبط علاج كل منها بالآخر، واتجه نشاط محمد علي نحو غاية واحدة هي تقرير الولاية وتثبيت أقدامها.
وقد تقدم كيف أن البكوات كانوا قد اقتربوا من العاصمة وقت انقلاب مايو 1805 ثم مجيء القبطان باشا إلى الإسكندرية لتسوية الأمور، فظهر الألفي في الوجه البحري يتخذ منه ميدانا للصوصية كبيرة، وظهر إبراهيم بك في لحظة من اللحظات بالقرب من القاهرة للمراقبة فحسب - لأن البكوات بسبب تنافسهم وتباغضهم لم يستطيعوا توحيد عملياتهم للقيام بمجهود مشترك من أجل الاستحواذ على القاهرة وقت اشتداد حروجة مركز محمد علي، ففوتوا على أنفسهم هذه الفرصة المواتية - وبقي عثمان البرديسي في الصعيد مريضا، ويمني نفسه بوصول النجدات التي كان ينتظر أن يبعث بها الفرنسيون إليه، وآثر لذلك عدم الحركة، وقد تقدم كيف أن محمد علي استطاع أن يبدأ المفاوضة مع الألفي، متخذا من أنانيته وكبريائه وانفصاله عن سائر زملائه وسيلة للتغرير به وشل حركته، يعاونه في ذلك السيد عمر مكرم الذي ظل هو الآخر يمني الألفي بالوعود الطيبة، حتى اعتقد الأخير أن الانقلاب الذي أطاح بخورشيد وأجلس محمد علي في الولاية لا يلبث أن يمهد السبيل لاستيلائه على حكومة مصر، وقد أفلح محمد علي وعمر مكرم في شل حركة الألفي، ثم استمر الحال على ذلك حتى حدثت مكيدة يوم 16 أغسطس 1805، وعلا فيضان النهر، واضطر البكوات القبالي إلى الانسحاب إلى الصعيد، وعندئذ غير محمد علي لهجته مع الألفي بصورة أقنعت هذا بأن من الخير له، وقد صار الآن عاجزا عن الاشتباك منفردا مع محمد علي في قتال قد تدور فيه الدائرة عليه، أن ينسحب هو الآخر إلى الفيوم.
ومع أن انسحاب الألفي قد ترك محمد علي سيدا في القاهرة وفي الوجه البحري، إلا أنه كان من المتوقع أن يعود البكوات إلى الظهور من جديد حول القاهرة وفي الدلتا عند انخفاض النهر، وصار لزاما على الباشا أن يبادر بإعداد جيشه وتهيئته لا للدفاع عن العاصمة فحسب، بل ولتطهير البلاد من البكوات وطردهم منها كلية وهم الذين شعر بأنهم أعداء أقوياء ومن المتعذر عقد أي صلح دائم معهم عندما كان غرضهم الظفر بحكومة القاهرة ذاتها واسترجاع سلطانهم على البلاد بأكملها، وكان إعداد هذا الجيش من أعقد المشاكل التي صادفت محمد علي.
مشكلة الجند
ذلك أنه كانت قد تجلت في الجيش وقتئذ ظاهرتان، كان مبعث كليهما في واقع الأمر أدواء مزمنة، إحداهما استمرار مغادرة الجند للصفوف وهروبهم للانضمام إلى قوات المماليك، والأخرى استمرار المطالبة بدفع مرتباتهم المتأخرة، أضف إلى هذا أن الجند ظلوا سادرين في غوايتهم ينهبون ويسلبون ويعتدون على الأهلين في القاهرة والأقاليم، حتى سادت الفوضى في الجيش، أو بالأحرى شراذم هؤلاء الجند المرتزقة الذين انعدم بينهم النظام، وشاركهم بعض رؤسائهم في أعمال التخريب، ونبذ الطاعة والخروج على كبار زعمائهم؛ فقد اكتظت القاهرة بالعسكر الأرنئود الذين رفضوا الذهاب لقتال المماليك ما لم تدفع لهم مرتباتهم، واتخذوا من عدم دفعها لهم ذريعة لاستمرار اعتداءاتهم على القاهريين، وتعالت صيحاتهم وازدادت مطالبهم، وحذا حذوهم إخوانهم في بعض المراكز التي ظلت في أيديهم بالصعيد كحامية جرجا خصوصا، ثم في الوجه البحري، وكان الأرنئود قد انتهزوا فرصة وصول الألفيين الكبير والصغير إلى جهة الجيزة في 11 أغسطس، فذهب جماعة منهم للانضمام إلى مماليكهما في اليوم التالي، وتعقبهم جند الباشا، وقتلوا عددا منهم، ثم لم تمض أيام على ذلك حتى أغارت طائفة أخرى منهم على سوق إمبابة فنهبوا ما وجدوه بأيدي الفلاحين، وتكررت حوادث هذه الاعتداءات وفرار الجند في الوقت نفسه للانضمام إلى قوات المماليك لا سيما إلى قوات الألفي الذي كان يكثر من التنقل بجيشه بين الفيوم والجيزة والبحيرة خصوصا، وذلك طمعا في مشاركة هذا الجيش في أعمال النهب والتخريب، من ذلك اعتداء أحد الممباشية الأرنئود مع ستين من رجاله على جهة بولاق ونهبها وفضح نسائها، ثم فرار ممباشي آخر مع حوالي الأربعمائة من عسكره إلى معسكر الألفي.
وقد وصف الشيخ الجبرتي ضمن حوادث رمضان 1220 (نوفمبر وديسمبر 1805) فعال الجند في القاهرة، فقال: «وقد زاد فحشهم وقبيحهم وتسلطهم على إيذاء الناس، وكثروا بالبلد، وانحشروا في كل جهة، وتسلطوا على تزوج النساء قهرا اللاتي مات أزواجهن من الأمراء المصرلية، ومن أبت عليهم أخذوا ما بيدها من الالتزام والإيراد، وأخرجوها من دارها، ونهبوا متاعها، فما يسعها إلا الإجابة والرضا بالقضاء ... ووصل كل صعلوك منهم لما لا يخطر على باله أو يتوهمه أو يتخيله ولا في عالم الرؤيا ...» ولم تعرف القاهرة بسبب إيذاء الجند لأهلها راحة أو هدوءا أثناء شهر رمضان هذا، وكف الناس عن المرور في شوارعها ليلا خوفا من أذية العسكر واعتدائهم عليهم بالخطف والقتل والسلب وما إلى ذلك، ولم يأبه الجند لنداءات الباشا وأوامره المتكررة لهم بالخروج إما لقتال الألفي وإما لقتال بكوات الصعيد، ومع أنه استطاع في بعض الأحايين وبعد أن دفع لهم شيئا من مرتباتهم المتأخرة إقناعهم بالخروج من القاهرة، فإنهم ما كانوا يغادرونها حتى يعودوا إليها، كما ظل رؤساؤهم يحضرون إلى العاصمة يطلبون مرتبات جنودهم الذين يهددون بالعصيان والتمرد، سواء في المنيا أم في أسيوط أم في جرجا أم في الفيوم أم في الجيزة، مثال ذلك حضور «محو بك» من المنيا يطلب العلوفة لجنده، وتخاذل حامية أسيوط الذي تسبب عنه امتلاك البكوات لها (أكتوبر)، ثم فرار ياسين بك وانضمامه إلى سليمان بك المرادي بالصعيد، وكان ياسين بك بعد خذلان خورشيد باشا وانتهاء مقاومته قد دخل في خدمة محمد علي على نحو ما سبق ذكره، وعهد إليه الباشا بكشوفية بني سويف والفيوم في 15 سبتمبر وخرج في تجريدة لقتال البكوات (الألفي في الفيوم وإبراهيم والبرديسي في بني سويف)، ولكنه ما لبث أن انهزم في الفيوم على يد جماعة الألفي ، ثم بدلا من انتظار النجدة التي بحث في طلبها من القاهرة، ذهب بجماعة من جنده إلى سليمان بك المرادي عند بياضة، وفضلا عن ذلك فقد تباطأ حسن باشا (منافس محمد علي) في سيره مع جنده الذاهبين إلى الصعيد ضد البرديسي وإبراهيم اللذين استوليا على أسيوط وسليمان بك البواب (المرادي) في جهات بني سويف، وعثمان بك حسن الرابض مع أكثر من ثلاثين مملوكا على الشاطئ الأيمن للنهر بين أسيوط والمنيا، ورفض الجند المخصصون للسير إلى الحجاز لتخليص جدة من أيدي الوهابيين الذين كانوا يحاصرونها وقتئذ الذهاب إليه.
أضف إلى هذا أن جند طاهر باشا - وكان من أقرباء محمد علي - المكلفين بوقف اعتداءات جماعة الألفي على الجيزة وصقارة والبلدان المجاورة لهما لم يلبثوا أن احتلوا دور أهل الجيزة واستولوا على أمتعتهم وطردوهم من مساكنهم ولم يخرجوا لقتال جند الألفي وعربانه (ديسمبر)، وعندما تكرر اعتداء الألفية على بلاد الجيزة وجهة صقارة وأمر محمد علي عسكره بالخروج لقتالهم فتلكئوا واحتجوا بطلب العلوفة قرر الخروج بنفسه، ولكن سرعان ما انهزم جنده (18 ديسمبر) في بر الجيزة وذهب من الأرنئود طائفة إلى الأخصام وانضموا إليهم وعبر النيل بعد أيام قليلة (22 ديسمبر 1805) جماعة آخرون وانضموا إليهم كذلك، وحصل في العسكر ارتجاج واختلافات، وعندما عدى بعض الألفية إلى ناحية الشرق وأخذوا كلفا من البلاد ووصل بعضهم إلى وردان بالبر الغربي، كثرت المناداة بخروج العسكر إلى طرة والجيزة، ولكنهم ما كانوا يخرجون حتى يعودوا أدراجهم دون الاشتباك مع العدو. واستمر الحال على هذا المنوال في الشهور التالية من هروب العسكر إلى المماليك وامتناعهم عن الخروج لقتالهم، حتى إن الباشا أمر بالمناداة في الأسواق (16 مارس 1806) على العساكر الذين لم يكونوا في قوائم العسكر الذين يقال لهم السير بالسفر والخروج إلى بلادهم، ومن وجد بعد ثلاثة أيام قتل، وفي 7 مارس من العام نفسه جمع الباشا الأجناد ورؤساءهم وأمرهم بالتعدية إلى البر الغربي، وكأنه تخوف من إقامتهم بالمدينة، وقال لهم: «من أراد منكم الذهاب إلى الأخصام فليذهب وإلا فليستمر معنا.» وفي 18 أبريل حضر عمر بك الأرنئودي من بني سويف يشكو من أن رجب أغا وطائفة من العسكر خامروا عليه، وانضموا إلى الأمراء القبليين، وكانوا حوالي الستمائة، ثم حضر «محو بك» من المنيا يطلب مرتبات وعلائف العسكر المحاصرين بها، وحدث في اليوم نفسه أن أراد كتخدا بك التوجه من إمبابة إلى الوجه البحري لمطاردة الألفية فقام عليه العسكر، وطالبوه بعلائفهم، وتطاولوا عليه، ومنعوه من الذهاب، فأراد التعدية إلى بر بولاق فمنعوه من ذلك أيضا وجذبوا لحيته، ولم يستطع الإفلات من قبضتهم والعودة بأمان إلى القاهرة إلا بعد أن وعدهم بالسعي لدى الباشا في هذه المسألة.
وفي اليوم التالي (19 أبريل) أرسل كبار العسكر بناحية منوف يبلغون الباشا أن الجند يطلبون مرتبات اللحم والأرز والسمن؛ لأنهم لا يحاربون ولا يقاتلون بالجوع، ورجع وقتئذ كثيرون من الجند الذين بالصعيد إلى القاهرة، واضطر الباشا إلى تدبير المال بسرعة لإرجاع «محو بك» إلى المنيا ومعه مرتبات الجند، وإرسال صالح أغا السلحدار إلى الوجه البحري بطريق منوف وبصحبته قوة من الجند بعد أن قرروا له مقادير من الأكياس على كل بلد من البلاد التي يمر بها ولا يزال بها شيء من الرواج والعمار، ثم لم يستطع «دبوس أوغلي» الانتقال إلى إمبابة في 27 أبريل إلا بعد أن دفع الباشا شيئا من مرتبات الجند والعلائف المطلوبة. وفي مايو حضر إلى بولاق ومصر القديمة جماعة من جند حسن باشا في بني سويف يطلبون مرتباتهم، وكان حسن باشا قد امتنع عن دفعها لهم لما ظهر له من مخامرتهم عليه وميلهم إلى الأخصام، وحذر الباشا منهم، فجمع عددا كبيرا من عربان الحويطات والعائد وأقامهم بناحيتي شبرا ومنية السيرج وهددهم بهم حتى استطاع إخراج من كان منهم قد دخل القاهرة، واستمال إليه بالحيلة صغار الضباط فاستثارهم ضد كبارهم، وتمكن بفضل ذلك من إخراج الأخيرين إلى دمياط في طريقهم إلى بلادهم، وكانوا اثنين وخمسين من كبار طائفة الأرنئود. وفي يوليو اعتدى جماعة من الأرنئود على قرية المنصورية بالقرب من الأهرام، فضربوا القرية ونهبوا أغنامها ومواشيها لتزويد معسكرهم بها، فتدخل عمر مكرم لإرجاع ما سلب من النساء والفقراء إليهم، وأما ما بقي فقد ذهبوا به للمطابخ. وفي 23 أكتوبر من العام نفسه (1806) جاءت الأخبار عن وقوع اختلافات بين عسكر الصعيد ورجوع من كان منهم بناحية منفلوط وعصيان الموجودين بالمنيا بسبب تأخر مرتباتهم، حتى إن حسن باشا عندما قصد إلى المنيا قابله العصاة بالضرب عليه، فانحدر إلى بني سويف، واضطر الباشا إلى إرسال إسماعيل أغا الطوبجي كاشف المنوفية بمال إلى الجهة القبلية لاسترضاء العسكر وإنهاء تمردهم. وانتهز الجند في أوائل يناير 1807 فرصة الخروج إلى بولاق استعدادا لمطاردة الألفية فنهبوا كفر حكيم والقرى المجاورة، حتى إنهم أخذوا إلى جانب المواشي التي نهبوها النساء والبنات والصبيات، ودخلوا بهن إلى بولاق والقاهرة، وصاروا يبيعونهن «كأنهم - على حد تعبير الشيخ الجبرتي - سبايا الكفار.»
تلك إذن كانت حال الفوضى والتمرد بين الجند، وقد ظلت هذه الحال سائدة في جيش محمد علي وقت مجيء حملة «فريزر»، أي طوال فترة التجربة والاختبار القاسية التي بدأت - كما ذكرنا - من حين تسلمه أزمة الحكم، وقد استمرت مشكلة الجند هذه قائمة حتى بعد ذهاب خطر الحملة الإنجليزية، وكان من الواضح أنه من المتعذر القضاء على هذه الفوضى وتطويع الجند وتعويدهم النظام وتلبية ما يصدره الباشا إليهم من أوامر إلا إذا عمل على إزالة أسباب الفوضى، وأهم هذه الأسباب عجزه عن دفع مرتبات الجند وعلائفهم لخلو خزانته من المال، ولم يكن في وسع محمد علي الاستغناء عن جنده الأرنئود أو إنقاص عددهم في وقت كان البكوات المماليك ينازعونه السلطة، ويخضعون ثلثي مساحة القطر تقريبا لسلطانهم، ولا يزالون يعملون على طرده من حكومة القاهرة، زد على ذلك أن ولايته ذاتها كانت مهددة بالزوال؛ حيث كان من المتوقع أن يعمد الباب العالي عند سنوح أول بادرة إلى خلعه أو نقله منها؛ لأنه كان من الواضح أن الديوان العثماني لن يرضى بالرضوخ والإذعان طويلا لهذا «الأمر الواقع» الذي وجد نفسه مرغما إرغاما على الاعتراف به في مايو 1805 لضعفه وقلة حيلته، وأنه لن يتوانى إذا تهيأت له الفرصة عن استرجاع نفوذه عن طريق تولية أحد الباشوات ممن يتلقون أوامرهم من الديوان العثماني مباشرة ويحرصون على تنفيذها بحذافيرها؛ ولذلك فقد صار لزاما على محمد علي أن يبذل كل ما وسعه من جهد وحيلة لتوفير المال حتى يستطيع قبل كل شيء دفع مرتبات الجند لإنهاء الفوضى المنتشرة في صفوفهم، وإزالة أسباب التمرد والعصيان بينهم.
تدبير المال
Halaman tidak diketahui