Mirqat Mafatih
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
Penerbit
دار الفكر
Nombor Edisi
الأولى
Tahun Penerbitan
١٤٢٢هـ - ٢٠٠٢م
Lokasi Penerbit
بيروت - لبنان
قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: الْمُتَّكِئُ الْقَاعِدُ الْمُتَقَوِّي عَلَى وِطَاءٍ مُتَمَكِّنًا، وَالْعَامَّةُ لَا تَعْرِفُ الْمُتَّكِئَ إِلَّا مِنْ مَالٍ فِي قُعُودِهِ مُعْتَمِدًا عَلَى أَحَدِ شِقَّيْهِ اهـ.
وَلَا شَكَّ أَنَّ الِاتِّكَاءَ عَامٌّ فِي اللُّغَةِ شَامِلٌ لِكَلَامِ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ وَالْمَقَامُ يَخُصُّهُ، وَلِذَا قَالَ صَاحِبُ الْقَامُوسِ: فَقَوْلُهُ ﵊: " «أَمَّا أَنَا فَلَا آكُلُ مُتَّكِئًا» أَيْ جَالِسًا جُلُوسَ الْمُتَمَكِّنِ الْمُتَرَبِّعِ وَنَحْوَهُ مِنَ الْهَيْئَاتِ الْمُسْتَدْعِيَةِ لِكَثْرَةِ الْأَكْلِ، بَلْ كَانَ جُلُوسُهُ لِلْأَكْلِ مُسْتَوْفِزًا مُقْعِيًا غَيْرَ مُتَرَبِّعٍ وَلَا مُتَمَكِّنٍ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْمَيْلَ عَلَى شِقٍّ كَمَا يَظُنُّهُ عَوَامُّ الطَّلَبَةِ اهـ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَقَامَنَا يَقْتَضِي الْمَيْلَ إِلَى أَحَدِ الشِّقَّيْنِ النَّاشِئِ عَنِ التَّكَبُّرِ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ مَنْ كَثُرَ أَكْلُهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى اسْتِمْسَاكِ نَفْسِهِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ " شَبْعَانٌ " كِنَايَةً عَنْ غُرُورِهِ بِكَثْرَةِ عِلْمِهِ وَادِّعَائِهِ أَنْ لَا مَزِيدَ عَلَى فَضْلِهِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ السَّالِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ دَائِمًا حَرِيصًا فِي طَلَبِ الْعِلْمِ كَالْجِيعَانِ " فِي طَلَبِ الرِّزْقِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] وَقَالَ ﵊: «مَنْهُومَانِ لَا يَشْبَعَانِ: طَالِبُ الْعِلْمِ وَطَالَبُ الدُّنْيَا»: وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى الْمُبَايَنَةِ بَيْنَهُمَا. (يَقُولُ)، أَيْ: لِأَصْحَابِهِ وَهُوَ خَبَرٌ يُوشِكُ (عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ)، أَيِ: الْزَمُوهُ وَاعْمَلُوا بِهِ وَلَا تَلْتَفِتُوا إِلَى غَيْرِهِ (فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ)، أَيْ: فِي الْقُرْآنِ (مِنْ حَلَالٍ): بَيَانٌ لِمَا (فَأَحِلُّوهُ): أَيِ اعْتَقِدُوهُ حَلَالًا أَوْ احْكُمُوا بِأَنَّهُ حَلَالٌ وَاسْتَعْمِلُوهُ (وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ)، أَيِ: اجْتَنِبُوهُ أَوِ انْسُبُوهُ إِلَى الْحَرَامِ اعْتِقَادًا وَحُكْمًا. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: ذَكَرَهُ رَدًّا عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْخَوَارِجُ وَأَصْحَابُ الظَّوَاهِرِ فَإِنَّهُمْ تَعَلَّقُوا بِظَوَاهِرِ الْقُرْآنِ وَتَرَكُوا السُّنَّةَ الَّتِي تَضَمَّنَتْ بَيَانَ الْقُرْآنِ فَتَحَيَّرُوا وَضَلُّوا (وَإِنَّ): هَذَا ابْتِدَاءُ الْكَلَامِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَالْوَاوُ لِلْحَالِ وَفِيهِ الْتِفَاتٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي وَهُوَ بِعِيدٌ (مَا حَرَّمَ) .
قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: مَا مَوْصُولَةٌ مَعْنًى مَفْصُولَةٌ لَفْظًا أَيْ الَّذِي حَرَّمَهُ (رَسُولُ اللَّهِ ﷺ)، أَيْ: فِي (غَيْرِ) الْقُرْآنِ (كَمَا حَرَّمَ اللَّهُ)، أَيْ: فِي الْقُرْآنِ وَفِي الِاقْتِصَارِ عَلَى التَّحْرِيمِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ التَّحْلِيلِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَشْيَاءِ إِبَاحَتُهَا.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ، أَيْ: مَا حَرَّمَ وَأَحَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَمَا حَرَّمَ وَأَحَلَّ اللَّهُ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ (أَلَا لَا يَحِلُّ لَكُمُ الْحِمَارُ): شُرُوعٌ فِي بَيَانِ مَا ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ، وَلَيْسَ لَهُ أَثَرٌ فِي الْكِتَابِ عَلَى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ لَا التَّحْدِيدِ كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ. وَقَوْلُهُ: لَيْسَ لَهُ أَثَرٌ أَيْ أَثَرٌ ظَاهِرٌ وَإِلَّا فَفِي آيَةِ ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨] الْأَثَرُ وُجُودٌ وَلَكِنَّهُ خَفِّيٌّ دَقِيقٌ أَدْرَكَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَكَرِهَ لَحْمَ الْخَيْلِ أَيْضًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (الْأَهْلِيُّ): التَّخْصِيصُ بِالصِّفَةِ لِنَفْيِ عُمُومِ الْحُكْمِ لِأَنَّ الْبَرِّيَّ حَلَالٌ (وَلَا كُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ)، أَيْ: سِبَاعُ الْوُحُوشِ
1 / 247