Dari Celah-Celah Kegelapan: Cerita Seorang Tahanan yang Paling Mengganggu adalah Bahwa Ia Belum Berakhir
من شقوق الظلام: قصة سجين أكثر ما يؤرق فيها أنها لم تنته بعد
Genre-genre
كان يدرك جهلي المدقع للأبجدية الجديدة، التي ما علمتني إياها أعوام المواظبة على الدروس، ولا الاستغراق في مطالعة أي حرف مسطور على قرطاس يقع بين يدي أو أمام ناظري. بعد الآن سوف تحتويني مدرسة أخرى تعلمني دروسا مقررة في منهج الصراع من أجل البقاء، دروسا سيفهمها كل بما يشاء، ستنتج مرة عريا فاجرا وتارة أخرى دثارا للأنبياء. دروس تسحق الكسالى البلداء وتسمو بغيرهم من أضدادهم فوق بعيدا إلى حيث تتوحد الأشياء بالأحلام.
كنت أسمع أصواتا عديدة لمعتقلين آخرين لا أرى أحدا منهم، وأجهل الذي يجري بينهم وعليهم. لم أكن أدري حتى أين أنا تحديدا (عرفت بعدئذ أنها مديرية أمن بغداد)، ولا أعرف شيئا عن تهمتي التي اعتقلت بسببها. وفي ضحى يوم سمعت جلبة وصخبا، أقدام حافية كثيرة تمر مسرعة مهرولة بالقرب مني، أبواب تفتح وأخرى توصد، وفحيح سلاسل يقرقع صوتها وهي ترمى على الأرض تارة وتارة أخرى تزمجر غاضبة حين تصك أسنانها على المعاصم. أعقب ذلك صمت مطبق وسكون قاتل طويل، بددهما زعيق حارس أمني بلهجة نهر وحنق وبطريقة فظة تنم عن خشونة صاحبها وقسوته: قم!
وقفت ممتثلا وشعرت بصوت مفتاح من ورائي يدور في القيد لتطلق يداي لأول مرة منذ اعتقالي، طلب مني أن أرفع العصابة عن عيني لأجد أمامي بابا مفتوحا يؤدي إلى زنزانة صغيرة خالية تماما، إلا من مجموعة بطانيات ركنت في زاوية وأخريات مفروشات على الأرضية الإسمنتية: ادخل!
أغلق الباب خلفي ورحل. شرعت أتلمس المكان مستمتعا بيدي الطليقتين مثل طفل ينتشي برؤية لعبة جديدة لأول مرة، عيوني ساهية تسرح في فضاء صغير، لكنه بعد أيام سيكون من أرحب ما سوف تراه عيناي لسنوات عديدة. كان الوقت طويلا ثقيلا مملا جدا؛ إذ كان علي أن أنتظر فقط، وماذا أنتظر؟ لا شيء. الأمر يبدو مثل حبل سائب لا نهاية له أبدا، وأصبح رأسي خاويا من الأفكار تماما، إنهم لا يتحدثون معي بأي شيء أبدا، ولا حتى يتهموني بشيء، صار الأمر كأنه لعبة عبثية قاسية. صرت أذرع الغرفة في كل الاتجاهات، أجول بنظري على الجدران، أتفحص أي شيء فيها، وأحدق طويلا في الأرض والسقف. قرأت كل أبيات الشعر والأسماء المحفورة على الجدران؛ ومنها عرفت أفكار بعضهم وتهمة آخرين ممن سكن هذه الزنزانة قبلي.
كنت أشم رائحة الموت الذي ابتلعهم، كانت كلماتهم تنم عن تحد لمستقبل مجهول تشاءموا من ملاقاته ولم يجدوا بدا من مواجهته بشجاعة بدلا من الهزيمة والانكسار. لربما هناك آخرون أحبطوا وانكسروا أو عجزوا أن يتركوا أثرا، وهذا هو حال الدنيا هي وكل ما فيها يفنى. إنما يخلد الشجعان، والمهزومون لن يتبقى منهم شيء، بل يصيرون عدما لأنهم خواء.
2
بعد أحد عشر يوما بالتمام والكمال وبدون أن أعرف منهم لماذا اعتقلوني، ولماذا لم يتحدث معي أحد طيلة هذه المدة، بدأ فصل جديد. هذا الفصل سبقته رؤيا غريبة رأيتها. فزعت من نومي هلعا في إحدى الليالي بعد أن رأيت إحدى شقيقاتي تبكي وهي تودعني؛ لأنه قد حكم علي بالسجن المؤبد لمدة عشرين عاما. عندها انتابني شعور ملأ تمام روحي بأن ما رأيته لم يكن أضغاث أحلام، بل نبوءة مستقبلية قوضت كل أحلامي باستعادة الحرية. لست أدري هل هي نوع من المصادفات أو أنها تدخل في علم الباراسيكولوجي، لست متأكدا من أي شيء، إلا من أمر واحد، إحساسي بصدقها كان تاما في شعور غريب لم أجد له تفسيرا أبدا.
بعد انقضاء هذه المدة، أعني الأحد عشر يوما، اقتادوني في نهار معصبا مكبلا إلى الخلف كالعادة إلى مركبة حديثة ذات دفع رباعي، طلبوا منا أن نخفض رءوسنا وأن نجلس راكعين، ومن أصوات الزجر الفاحش وبذيء القول المستدام على ألسن من يقتادنا، علمت أن هناك من يقاسمني الرحلة هذه المرة، وأننا نتجه للمرور بمخاض صعب جديد.
المسير في هذه العربة كان بعيدا هذه المرة، وما إن تجاوزنا بوابة كبيرة عالية بنيت حديثا شمال العاصمة العريقة التي طالما تغنى بها الشعراء وامتدحوا سحرها، إلا أنهم لم يذكروا يوما في قصائدهم هذا العالم السفلي الذي ابتدأت أخوض في بحر ظلماته؛ بحر لجي كنت أعمل بالضد منه خشية الطوفان القادم منذ وقت مبكر في مقتبل عمري، منذ أن كنت تلميذا حاولت جاهدا أن أكشف الغطاء عن خطره الداهم في كل فرصة تسنح لي سواء مع زملائي في الدراسة أو مع من كنت أتعرف إليهم. كان التحذير من كارثة أمواج خطره العالية القادمة لا محالة، يشكل هاجسا رئيسيا في كل أحاديثي الشخصية. لم أكن معنيا كثيرا بنشر فكر معين رغم انتمائي له بقدر ما كان محور عملي واهتمامي الأساسي هو رفض سياسة القمع وتكميم الأفواه وحساب الأنفاس التي كان يتبعها النظام بأسلوب قمع فاشي.
كنت أرى - وما أزال - في ذلك التيار السياسي فكرا يحمل صرخة تعبر عن ضمير الإنسانية المعذب، ويسعى لحل مشاكل هذا العالم بما يحقق من إنسانية الإنسان، إنما لسوء الحظ لم ولن يخلو أي تيار إصلاحي يرفع راية الإنسانية من جموع الانتهازيين وطلاب السلطة ومن الضعفاء وقليلي الإدراك والوعي لقيمة ما يحملونه وينتسبون إليه. وجود هؤلاء بالتأكيد يشوه جمال الأفكار في كل مرة عبر التاريخ، ويحبط نوايا الثوار ويصادر أحلامهم بعالم حر تتساوى الفرص أمام جميع أفراده. أحلام يناضل لأجلها الثوار ويقدمون في سبيلها التضحيات بلا تردد، ويسترخصون دماءهم لها ويجعلون من رقابهم جسورا تعبر الإنسانية عليها إلى شاطئ أكثر أمنا ورفاها.
Halaman tidak diketahui