Dari Bicara Jiwa

من حديث النفس

Penerbit

دار المنارة للنشر والتوزيع

Edisi

الثامنة

Tahun Penerbitan

١٤٣٢ هـ - ٢٠١١ م

Lokasi Penerbit

جدة - المملكة العربية السعودية

•
Wilayah-wilayah
Syria
Arab Saudi
علي الطنطاوي
من حديث النفس
طبعة جديدة
راجعها وصحّحها وعلّق عليها حفيد المؤلف
مجاهد مأمون ديرانية
دار المنار
للنشر والتوزيع

1 / 2

حقوق الطبع محفوظة
يُمنَع نقل أو تخزين أو إعادة إنتاج أي جزء من هذا الكتاب بأي شكل أو بأية وسيلة: تصويرية أو تسجيلية أو إلكترونية أو غير ذلك إلا بإذن خطي مسبق من الناشر
الطبعة الثامنة
٢٠١١
دار المنار
للنشر والتوزيع
ص ب ١٢٥٠ جدة ٢١٤٣١ المملكة العربية السعودية
هاتف ٦٦٠٣٦٥٢ فاكس ٦٦٠٣٢٣٨ المستودع ٦٦٧٥٨٦٤
البريد الإلكتروني: books@daralmanara.com

1 / 3

بسم الله الرحمن الرحيم

1 / 4

مقدّمة
أرجو من القارئ ألاّ ينظر في فصل من فصول هذا الكتاب حتى يرى تاريخ كتابته؛ فليس كل ما فيه لـ «علي الطنطاوي» الذي يكتب هذه المقدمة، بل إن كل فصل فيه لـ «علي الطنطاوي» الذي كان في ذلك التاريخ.
وليس المؤلف إذن واحدًا، ولكن جماعة في واحد، وكذلك الشأن في كل إنسان.
ولكلٍّ من هؤلاء «المؤلفين ...» آراؤه وعواطفه، وأنا أحسُّ -إذ أعرض فصول هذا الكتاب قبل دفعها إلى المطبعة- أن كثيرًا من هذه الآراء وهذه العواطف مما أنكره الآن وآباه (١).
ولا عجب أن يبدل الإنسان في السنة الواحدة رأيًا برأي، وعاطفة بعاطفة، فكيف لا تتبدل آرائي وعواطفي وأنا أكتب في الصحف والمجلات منذ اثنتين وثلاثين سنة بلا انقطاع؟

(١) ولكني تركت كل شيء على حاله، ما بدلت فيه ولا عدلت.

1 / 5

على أن لديّ أشياء ما بدّلتها قط ولن أبدّلها إن شاء الله؛ هي أني حاربت الاستعمار وأهله وأعوانه وعبيده دائمًا، ومجّدت العربية وسلائقها وأمجادها وبيانها دائمًا، وكنت مع الإسلام وقواعده وأخلاقه وآدابه دائمًا.
وقد بلغ ما طُبع من كلامي أكثر من عشرة آلاف صفحة، لو نخلتَها نخلًا ما وجدتَ فيها -بحمد الله- سطرًا فيه تزلف للظالمين، ولا سطرًا فيه إزراء على العربية، ولا سطرًا فيه خروج على الإسلام. وشيء آخر؛ هو أني ما كنت أبدًا في حزب ولا جماعة ولا هيئة، وما كان قلمي لهيئة ولا جماعة ولا حزب.
ولقد كنت أكتب في الصحف أيام الفرنسيين، فكنت أقول ما لا يجرؤ على أكثر منه قائل من الوطنيين. وليست هذه دعوى بلا دليل، بل هي حقيقة دليلها موجود في صحف تلك الأيام، في «فتى العرب» و«المقتبس» و«القبس» و«ألف باء» و«الأيام» و«اليوم» و«النصر» و«الناقد» و«الجزيرة». ولقد كنت أدعو إلى وحدة أقطار العرب يوم كان في دمشق دولة، وفي حلب دولة، وفي السويداء دولة، وفي اللاذقية دولة، وكان لكل دولة حدود ولها حكومة ولها رئيس!
* * *
وبعد، فلقد كنت أريد أن أجعل هذه المقدمة ترجمة لي، على عادة المصنّفين قديمًا وحديثًا في الترجمة لأنفسهم، لا سيما وموضوع هذا الكتاب «أنا»، ثم آثرت أن أجعل ذلك موضوعَ كتاب

1 / 6

أكتبه قريبًا -إن وفّق الله- عنوانه «ذكريات نصف قرن»، ليكون مجال القول فيه أوسع، ويكون أمتع وأنفع.
وأسأل الله أن يوفقني إليه وأن يُقدرني عليه، وألاّ يحرمني حظًا من الثواب عليه وعلى كل ما أكتب، وأن يجعله من العلم النافع.
والثوابُ هو وحده الذي يبقى، على حين يفنى الإعجاب وتذهب الأموال، ويعود إلى التراب كل ما خرج من التراب.
ولَدعوةٌ واحدة لي بعد موتي، من قارئ حاضر القلب مع الله، أجدى عليّ من مئة مقالة في رثائي ومئة حفلة في تأبيني، لأن هذه الدعوة لي أنا والمقالات والحفلات لكتابها وخطبائها، وليس للميت فيها شيء.
وأستغفر الله وأتوب إليه.
علي الطنطاوي
دمشق: ٢١ جمادى الآخرة ١٣٧٩
٢٢ كانون الأول ١٩٥٩
* * *

1 / 7

أنا
نشرت سنة ١٩٣٧
-١ -
قال لي أهلي: لقد جئتَ إلى هذه الدنيا عاريًا بلا أسنان، لا تحسن النطق ولا تعرف شيئًا. فضحكت ولم أصدق، فأعادوا ذلك عليّ، وألقوه كأنه قضية مسلَّمة وأمر واضح لا يحتمل الشك، وعجبوا مني حين أكذّبه وأرده. ولكني بقيت على رأيي الأول، لم أستطع مطلقًا أن أصدّق ما يقولون لأني أعرَفُ بنفسي منهم، ولأني أذكر ماضيّ كله: أذكر أني فتحت عينيّ ذات يوم فجأة ونظرت ... فوجدت نفسي، ورأيت أن لي أسنانًا وعليّ ثيابًا، وأن بي قدرة على المشي والنطق، ورأيتني شخصًا مستقلًا عن أبي أمي وسائر أهلي، أحب أشياء لا يحبها أحد منهم وأكره أشياء لا يكرهونها، ولا يميزني منهم إلا أني كالطبعة المختصَرة من الكتاب، فيها الأبواب كلها والفصول بيد أنها موجزة و... بالقطع الصغير!
أفيُعقل أن أكون موجودًا قبل ذلك، وأنا لا أعرف نفسي؟
مستحيل!

1 / 9

واستقرّ في ذهني -من يومئذ- أني وُلدت وأنا في الرابعة من عمري!
-٢ -
وصرت أرى هذا الطفل دائمًا؛ أبصر صورته في المرآة وأسمع صوته بأذني، وأصغي إلى حديث أمي عنه بشغف وسرور، فكنت أشعر بميل غريب إليه، حتى إني لأعترف الآن بأنه كان أحب إليّ من أمي، التي لم أكن أعدل بها أحدًا ولا أقبل كنوز الأرض بدلًا من امتصاص ثديها والنوم على صدرها.
ذلك الطفل الباسم، ذو العينين السوداوين والشعر ... يا للأسف! إني لا أستطيع أن أتخيل شعره. لقد مُحيت صورته من ذاكرتي، لقد اختفى من الدنيا منذ ربع قرن، لقد ذهب إلى حيث لا أدري. فهل كنت أنا ذلك الطفل؟ هل تجيء يده الصغيرة الغضة في يدي الخشنة التي أخط بها هذا المقال؟ فأين ذهب إذن؟ ومن أين جئت أنا؟ ... إنني لست ذلك الطفل ولست غيره ... فكيف يعقل هذا؟
هذا يحيرني دائمًا ولا أعرف له حلًا، بل إن مجرد التفكير فيه يدفعني إلى الجنون.
-٣ -
ونظرت يومًا من الأيام، فإذا في مكان ذلك الطفل اللاهي اللاعب، العابث بكل شيء، الذي يحطم كل ما يصل إليه،

1 / 10

ويقبض على الجمرة المشتعلة بيده كما يقبض على البرتقالة الحمراء، ويعبث بلحية القاضي إذا هو بلغها كما يعبث بشعر الهرة ... إذا في مكانه تلميذ يقرأ مُكرَهًا، ويكتب مضطرًا، ويحمل همّ المدرسة التي يذهب إليها كل يوم كالذي يُساق إلى الموت، لا يعرف لوجوده فيها معنى، ولا يدري فيمَ يدَعُ عطفَ أمه والأنسَ بإخوته، ولِمَ يترك بيته وما فيه من الدفء في الشتاء والظل في الصيف، ليذهب إلى هذه الدار التي يُحشَد فيها الأطفال الأبرياء المساكين لتحشى أدمغتهم بمسائل لا يدركون معناها، وشروح لا يعرفون مغزاها، وتنال من أبشارهم وظهورهم عصا المعلم الغليظة، وتقذى عيونهم برؤية طلعته البغيضة، لا المعلم يبسم لهم ويدعوهم إلى حبه، ولا أهلوهم يستمعون شكواهم وينصفونهم ... لقد كان في هذه المدرسة كالمحكوم عليه بالسجن ظلمًا!
يا لهذا التلميذ البائس الذي لم يكد يفتح عينيه على الدنيا حتى أبصر الشقاء والألم. لقد مات كمدًا ومضى مسرعًا في طريق الفناء ... مسكين!
إنه لم يكن إلاّ أنا، أنا الذي وُلدت ومتُّ مئة مرة، حتى صرت الآن ... «أنا».
-٤ -
وكان يوم آخر، فإذا (الفِلم) ينكشف هذه المرة عن منظر جديد: اختفى التلميذ الجميل، ذو السراويل القصيرة والقميص الأحمر والحقيبة الزرقاء الصغيرة، وذهب بجسمه ونفسه وميوله وأفكاره، وظهر الشاب الحليق الوجه، ذو (الربطة) الطويلة

1 / 11

والحقيبة السوداء الواسعة ... ظهر في الثانوية طالبًا متحمسًا كأنما رُكِّبت أعصابه من الديناميت وصُنع فمه على مثال فوهات الرشّاشات، فلا يكاد يقع في المدرسة حادث أو تقوم في البلدة ضجة إلا انفجر الديناميت وانطلق الرشاش، وقام في الطلاب خطيبًا ثائرًا مثيرًا، فحطموا الباب وخرجوا ...
كان ينتقم بهياجه وثورته لذلك التلميذ الهادئ الحييّ المظلوم، ولكن الامتحان لم يلبث أن كشّر له عن أنيابه وجاء ينتقم منه!
هذه هي البكالوريا، فتهيأ لها؛ إن مستقبلك معلق عليها.
ولم يكن قد فكر في المستقبل أو حسب له حسابًا، فلما سمع به وقف وتردد وكبح من جماح نفسه. يجب أن يضمن المستقبل ليصل إلى آماله، آماله الكبار التي كانت تملأ نفسه ولا يشك في بلوغها. وكان قد بدأ ينشر في جرائد البلد فهو يجب أن يكون كاتبًا كبيرًا منتجًا يخدم بقلمه وطنَه، ويدافع به عن الحق والفضيلة، ويقاتل به خصومها وأعداءها، ويساهم في تحرير وطنه، ويكون له في «الإصلاح الشعبي» أثر يذكر. فليسعَ -إذن- لنيل الشهادة، فإنها تبلغه كل أمل وتوصله إلى أبعد غاية.
إن الدنيا كلها ترقب نجاحه في «البكالوريا» (١)، فإذا نجح

(١) شهادة الثانوية العامة كما هو اسمها في الشام، لا يزال كذلك إلى اليوم (مجاهد).

1 / 12