523

الثانية: طريقة الدوران وهي أنا نعلم ضرورة أن الظلم قبيح، وإنما قبح لكونه ظلما بدليل أنا متى عرفناه ظلما عرفنا قبحه، ونعرفه ظلما إذا كان ضررا خالصا ليس فيه نفع يجبره، ولا دفع ضرر أوفى منه، ولا هو من باب المستحق على فعل مقدم يستوجبه به، فمتى عرفناه بهذه الصفات عرفنا قبحه وإن لم نعرف أمرا آخر، ومتى لم نعرفه بهذه الصفات لم نعرف قبحه وإن عرفنا ما عرفنا، فصح أن الظلم إنما يقبح لوقوعه على وجه، وهو كونه ظلما؛ لأن العلم بالقبح فرع على العلم بوجه القبح جملة أو تفصيلا، فيجب متى وقع على ذلك الوجه أن يقبح، سواء وقع من الله تعالى، أو من العباد؛ لأن الحال فيه كالحال في الحركة وإيجابها كون الجسم محتركا، فكما لا يختلف ذلك باختلاف الفاعلين لما كانت هي العلة كذلك في مسألتنا، وهو حكم سائر القبائح العقلية حكم الظلم في كون العلم بقبحها يدور على العلم بالوجوه التي وقعت عليها وجودا وعدما، وذلك معلوم بالاستقراء، فإن قيل: إن قلتم بثبوت الحسن والقبح للفعل قبل وجوده لم يكن قبحه للوجه الذي وقع عليه ؛ لأنه يكون حينئذ كالمعلول المتقدم على علته، وإن قلتم بثبوتهما له بعد الوجود أو حاله بطل قولكم إن القبيح ما ليس له أن يفعله، فيكون له فعله، وبأيهما قلتم فقد لزمكم أحد محذورين إما إبطال القبيح، وإما إبطال وجهه.

قيل: قد أجاب عن هذا الإمام المهدي عليه السلام ، وحاصل جوابه أن للقبيح ماهية، ولازم لكل منهما مقتضى غير مقتضى الآخر، فالماهية كون ليس لنا فعله، ومقتضى هذا الحكم كونه إذا وجد كان ظلما، فهو ومقتضيه ثابتان قبل وجود الفعل، وأما اللازم فهو استحقاق الذم، وإنما يلزمه إذا وجد، ومقتضيه وجود ذلك الفعل الذي كان القبح حكما له.

Halaman 526