520

وأما الأدلة السمعية فالقرآن الكريم مشحون بها، وكذلك السنة النبوية، وكلام الوصي، وغيره من السلف الصالح، ومن ذلك هذه الآية التي نحن بصدد الكلام عليها، ووجه دلالتها أن قد دلت على استحقاقه تعالى للحمد على الإطلاق، ولا يجوز ذلك إلا إذا كان عدلا حكيما على الإطلاق، وقد أكد ذلك بوصفه برب العالمين وما بعده؛ إذ الوصف برب الدال على التربية التي لا يفهم منها إلا كمال الإحسان، ثم إردافه بالوصف بكمال الرحمة، ثم إتباعه بأنه المالك ليوم الجزاء، الدال على أن ما يوصله إلى المكلفين في ذلك اليوم من ثواب أو عقاب إنما يكون جزاء على أعمالهم، دال على كمال العدل والحكمة، وغاية الإحسان والرحمة.

البحث الثالث: في ذكر علوم العدل

قال الإمام أحمد بن سليمان عليه السلام : اعلم أن معنى قولنا إن الله عدل هو أنه منزه عن صفات النقص في أفعاله، أنه لايفعل القبيح، ولا يرضاه، ولا يحبه، ولا يريده، ولا يجبر العبد عليه، ولا يكلف أحدا فوق طاقته، وأنه لا يمنع أحدا الاستطاعة، وأنه لا يجور، ولا يظلم أحدا، ولا يكذب، ولا يخلف الوعد والوعيد. ذكره في الحقائق، وقد أشار عليه السلام في هذه الجملة إلى جملة علوم العدل، وللإمام عز الدين عليه السلام في حصرها بحث مفيد، وقول باهر سديد، ونحن نورده في هذا الموضع، فنقول: ذكر عليه السلام لحصر علوم العدل وضبطها طريقين: جملي، وتفصيلي.

قال عليه السلام : فالجملي حاصله أنها تنقسم إلى إثبات ونفي، فالأول أن أفعاله تعالى حكمة، وأن أقواله صدق، وأنه يأمر بالمصلحة، وينهى عن المفسدة، ويريد الطاعات ويكره المعاصي، ويثيب المطيعين ونحو ذلك، والثاني أنه تعالى لا يفعل القبيح، ولا يخل بالواجب، ولا يريد القبائح، ولا يرضى الكفر، ولا يحب الفساد، ولا يكره الطاعات، ولا يكلف ما لا يطاق، ولا يعذب بلا ذنب، ولا يظلم، ولا يأمر بالفحشاء، وغير ذلك.

Halaman 523