516

قال الإمام (عز الدين) عليه السلام : وقد ذكر في جواب هذا الاعتراض أنا لم نعلل عدم فعل القبيح إلا بأمر واحد، وهو كون الأوصاف التي ذكرنا مجتمعة.

الاعتراض الرابع: أن هذا القياس لا يصح؛ لأنه يلزم منه أن الله لا يختار الحسن إلا لجر منفعة، أو دفع مضرة، وذلك مستحيل في حقه، وبيانه أنكم قلتم إن أحدنا لا يختار القبيح إلا لجهله، أو حاجته إليه، ولا يختار الحسن إلا لجلب نفع، أو دفع ضرر، فإذا لم يصح الجمع بين الشاهد والغائب في الوجه الذي لأجله نختار الحسن لم يصح الجمع بينهما في الوجه الذي لأجله يترك القبيح، والجواب من وجوه:

أحدها: أنه دل دليل على اشتراكهما في الوجه الذي لأجله يترك القبيح، ولم يدل على اشتراكهما في الوجه الذي لأجله يختار الحسن.

الثاني: أن أحدنا كما يختار الحسن لجلب نفع أو دفع ضرر، فقد يختاره لحسنه ولكونه إحسانا، ألا ترى أنه لو خير إنسان بين الصدق والكذب، وكان النفع فيهما مستويا فإنه يختار الصدق، وما ذاك إلا لحسنه، وكذلك الملحد الدنيء الذي لا يخاف ذما ولا عقابا، ولا يبالي بالمدح والثواب، فإنه يستحسن إنقاذ الغريق وإرشاد الضال، لا يقال: إنما يختار الصدق ويستحسن الانقاذ ونحوه لما مر في المقدمة من انغراس استحسان الصدق ونحوه في زمن الصبا، وأنه يستحسن الإنقاذ ونحوه لرقة الطبع ونحوه؛ لأنا نفرض الكلام في أول المتواطئين لم حكموا بحسن الصدق وقبح الكذب، وبدفع كون وجه استحسان الإنقاذ رقة الطبع بأنه يستحسنه وإن لم يكن هناك غرق.

Halaman 519