460

تنبيه ثالث [استحقاق الله للحمد بالقوة]

قد علم من قولهم إن المحمود عليه يجب أن يكون اختياريا أن الله تعالى لا يستحق الحمد في الأزل بالفعل وإنما يستحقه بالقوة؛ إذ لا فعل له فيحمد عليه، ولا منعم عليه فيشكره، وقد نبه على هذا بعض المحققين، لا يقال: قد قالوا إنه يستحق الحمد على ذاته وصفاته لأنها مبادئ أفعال اختيارية، وتقدم أيضا أن ثناءه على نفسه يسمى حمدا، وحينئذ لا يمتنع أن نقول بوقوع حمده تعالى لنفسه في الأزل، ولأن ذاته وصفاته مبادئ لما أحدثه تعالى من الأفعال وهو سبحانه لا يفعل غير المستحق لأنه حكيم، فيثبت أنه مستحق للحمد في الأزل بالفعل؛ لأنا نقول ما أردت بقولك في الأزل هل أردت به القدم الذي لا أول له، أم أردت ما تقادم عهده، إن أردت الأول لزمك إثبات قديم مع الله تعالى لأنك قد أثبت الحمد بالفعل في الأزل الذي لا أول له، وإن أردت الثاني فحمد الله تعالى لنفسه من جملة أفعاله وهي محدثة، ولا مانع من حمده لنفسه قبل وجود العالم بهذا الاعتبار عند من أثبت حمد الله تعالى لنفسه، لكن لا ينبغي إطلاق كونه في الأزل لإيهامه القدم الذي لاأول له.

هذا وأما استحقاقه للحمد من غيره في الأزل بالفعل فلا أظن أحدا يقول به؛ إذ الحمد من جملة العبادة ولا مخلوق في الأزل يستحق عليه العبادة، ولما قال القطب الراوندي في شرح قول أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة: (الحمد لله الذي لا يبلغ مدحته القائلون)، ما لفظه: المعنى أن الحمد كل الحمد ثابت للمعبود الذي حقت العبادة له في الأزل، واستحقها حين خلق الخلق، وأنعم بأصول النعم التي يستحق بها العبادة، اعترضه ابن أبي الحديد بأن ظاهر كلامه متناقض لأنه إذا كان إنما استحقها حين خلق الخلق فكيف يقال: إنه استحقها في الأزل، وهل يكون في الأزل مخلوق يستحق عليه العبادة.

Halaman 463