198

والجواب: إنه إن أراد بقوله أن الكل من الله وبالله ما تقدم من أن المطلوب بالاستعاذة اللطف الذي يكون بالمعونة والتسديد ونحوهما فهو حق، وإن أراد أن الشر الواقع من الشيطان من الإغواء ونحوه من الله تعالى لا فعل للشيطان فيه، فهو الجبر، وقد تقدم من الأدلة العقلية على بطلانه ما فيه كفاية، وطابقها على ذلك كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ، وكلمات عترته، وأصحابه، وصالحي أمته.

وأما الحديث الذي أورده فهو حجة عليه لا له، وبيان ذلك أن قوله: أعوذ اعتراف بكون المستعيذ فاعلا لتلك الاستعاذة، وقوله: برضاك من سخطك أصرح في الدلالة؛ لأن السخط لا يكون إلا على المعصية، فإن كانت المعصية من فعل الله تعالى فكيف يسخط على عبده بسبب فعله، وإن كانت من فعل المستعيذ فهو المطلوب، وكذا القول في قوله: وأعوذ بعفوك من غضبك.

فإن قلت: فما معنى استعاذة النبي صلى الله عليه وآله وسلم من السخط والغضب؟ قلت: ذلك منه صلى الله عليه وآله وسلم مثل طلب المغفرة مع أنه مغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وذلك للتأدب وإظهار العبودية، ويجوز أن يكون المراد الاستعاذة من أسباب المعاصي الموجبة للسخط كالخذلان، وترك اللطف {فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون }.[الأعراف:99]

وأما قوله: وأعوذ بك منك، وهذه الكلمة هي موضع الشبهة فلا دلالة فيها على ما رام الاستدلال بها عليه من الجبر؛ لأنه لم يصرح بالمستعاذ لأجله، وحينئذ فهي تحتمل أحد معنيين:

أحدهما: الاستعاذة بالله تعالى من ما يكون وقوعه بالعبد من جهة الله تعالى خاصة كالمرض، والفقر، والعسر، وتقدم موت الأحباب، وغير ذلك، وتكون هذه الاستعاذة كطلب العافية، وهذا واضح.

Halaman 198