فبالوحدة القومية تمهدت طريق الإسلام، وبقوة الإسلام برزت من الوحدة القومية شريعة الإنسان وعبادة رب العالمين.
ولم نذكر - فيما تقدم - عاملا من أشهر عوامل هذه الوحدة القومية، وهو يوم ذي قار الذي انتصر فيه العرب على الفرس، وارتجت له الجزيرة العربية بالفخر والأمل في مطلع العصر الإسلامي، وعند ولادة النبي - عليه السلام.
لم نذكره لنضعه كما وضعه أناس في مقدمة العوامل الكبرى، ولا ننساه هنا لنحسبه منها ولا نقدمه عليها، فلو لم يكن يوم ذي قار لكانت الوحدة العربية، وكانت توابعها التي لحقت بها في أوانها. ولعل وثبة ذي قار جاءت بعد الوحدة القومية ولم تسبقها، ولعلها كانت الجولة الثانية بعد الجولة الأولى على تخوم الدولة الفارسية، فلما تنازع أمراء الحيرة وشواهين الدولة غلبت الدولة على الإمارة، وقضى الأكاسرة والشواهين على المناذرة والنعامين، ولما التقت سطوة فارسية ونخوة عربية في الجولة التالية ظفرت القبائل حيث أخفق الأمراء.
كانت ذو قار وليدة النخوة العربية، ولم تكن أمها التي ولدتها، وإنما كانت أم الأمهات في هذه النهضة وحدة اللسان ووحدة الجنان.
الفصل الرابع
النبوة المحمدية
أوائل النبوات
ندع الآن هذه الوحدة ريثما نعود إليها في الكلام على الكعبة المكية، ونرجع بتاريخنا إلى أوائل النبوات لنمضي بها إلى ختامها بالرسالة المحمدية، فإن تاريخ النبوة من أوائلها أصلح المقدمات لبيان فضل النبوة كما بعث بها خاتم الأنبياء.
من قديم الزمن وجدت الرغبة في العلم بالغيب واستطلاع المجهول، ووجدت لذلك علامات كثيرة يتفق عليها الناس عامة من قبيل زجر الطير، والتفاؤل بالكلام المسموع، والمناظر التي تبشر بالخير والنجاح، أو تنذر بالشر والخيبة.
هذه العلامات العامة كانت معروفة شائعة بين الناس لا يختص بها أحدهم دون غيره، فكل ما عرفه الناس قديما من علامات التفاؤل أو علامات التشاؤم، فهو ميراث الجماعة يتناقلونه على وتيرة واحدة من الآباء إلى الأبناء.
Halaman tidak diketahui