ولو لم تكن للعرب وحدة معروفة بينهم قبل البعثة الإسلامية، لما اعتزوا بالبيت الجامع لهم هذا الاعتزاز، وما وحدة أقوام متقاتلين متنازعين مأخوذين بعصبية الأجداد والعشائر إن لم تكن وحدة اللغة، ووحدة الفخر بلسان مبين يتيهون به على «العجم» أجمعين؟!
قال سترابون: إنه وجد الأقوام في بلاد العجم تتفاهم بلغة واحدة، وهي بلاد تعاقبت عليها سلالات الآريين والطورانيين والساميين، ويقال في روايات شتى: إن الحاميين وصلوا إليها في زمن قديم، كما كانوا يصلون إليها، ويتجمعون فيها بعد الإسلام بعدة قرون، ولم تكن عوامل الوحدة اللغوية بينهم أقوى من عواملها في جزيرة العرب، ولم يمض عليهم من الزمن ممتزجين متقاربين أكثر مما مضى على القبائل العربية التي من عادتها الترحل والانتقال من مرعى إلى مرعى، ومن جوار إلى جوار.
وفي زماننا هذا - من القرن التاسع عشر إلى القرن العشرين - لا نرى أحدا يستغرب تخاطب القوم في جزائر البريطان بلغة واحدة، ومنهم الأيرلنديون والأيقوسيون والغاليون، وفي كل أمة من هذه الأمم خطباء مفوهون، وشعراء مشهورون يحسنون الإنجليزية منظومة ومنثورة، وفي مجامع الخطابة والبيان، ولا نرى أحدا يستغرب ذلك في بلاد الإسبان، ومنهم القشتاليون والباسكيون.
ولا نرى في مصر هنا من يستغرب البيان العربي الفصيح إذا نسب إلى فئة من أبناء النوبة، وهم يتفاهمون في الإقليم النوبي برطانة لا يفهمها سائر المصريين، فلا موجب لإنكار النظم والكلام بلغة واحدة في جزيرة العرب قبل البعثة المحمدية بمائتي سنة أو أكثر من ذلك، مع عجز المنكرين أن يأتوا بشاهد من اللغة الأخرى التي يفترضونها، وينكرون توحيد اللغة من أجلها، ومع توافر الأسباب الموحدة في جزيرة العرب على نحو لم يعهد في غيرها من بلاد الزمن القديم، ولا تكفي كلمة أو كلمات للحكم بانفصال اللغات؛ فإن الإقليمين في قطر واحد لا يتفقان في جميع الكلمات.
فمن التاريخ الثابت أن أبناء الجنوب لم ينقطعوا عن الشمال، ولم تزال لهم آثار مكتوبة فيها إلى الآن، وقد وجدت بعض هذه الآثار بالخط الجنوبي واللغة الشمالية؛ مما يدل على تشابه الكلام والنطق مع بقاء الكتابة بخط الجنوب.
وحدثت في تاريخ الجنوب حوادث متعاقبة نقلت زعامة الشمال إلى الشماليين، وجعلت أهل الجنوب تبعا لهم كلما وفدوا على الشمال، وذاك بعد قيام الدولة النبطية التي ازدهرت في القرن الرابع للميلاد، وتغلغل روادها وتجارها في الغرب، كما ظهر من بعض نقوشهم في بحر إيجة وفي إيطاليا الجنوبية.
وقد كان من أسباب ضعف الجنوب وقيام دولة النبط في الشمال اضطراب بلاد اليمن بعد حروب الإسكندر، واجتياجه لدولة فارس التي كان لها الإشراف على حكومة اليمن وتجارة الهند والشرق عامة في الأقطار العربية، وبعد انهيار سد مأرب وانتشار القراصنة في خليج العجم وبحر العرب والبحر الأحمر، فغلبت طريق القوافل التي تمر بالحجاز على جميع الطرق الأخرى، وتقاربت الصلة بين النبط والحجازيين، وأخذ الحجازيون بالخطة الوسطى التي تلتقي عندها سبل الجنوب والشمال والشرق والغرب في كل بقعة عربية لم تكن للفرس حماية عليها، واشتعلت الحروب بين اللخميين على خليج العجم، والغساسنة في بادية الشام، فانحصر الأمان أو كاد على طريق الحجاز.
واحتاج النعمان بن المنذر - صاحب الحيرة - إلى زعماء مضر لحماية تجارته داخل الجزيرة إلى مكة، فكان من أسباب يوم نخلة أنه أراد رجلا يجيز قوافله على أهل نجد، فتنازعها البراض وعروة الرحال سيد هوازن، وقال له هذا: إنه يجيزها على أهل الشيح والقيصوم في أهل نجد وتهامة، ثم نشبت الحرب، فاحتكم الجميع أخيرا إلى سيد من سادات مكة عبد الله بن جدعان.
وانقضت عدة قرون على اتصال النبط والحجاز، وعمل الحجازيون على تعظيم شأن الحجاز بين النبطيين، فوضعوا في الكعبة تماثيل أرباب يعبدها النبطيون، يعد منها الرواة: هبل واللات ومناة التي قيل: إنها من «المنية»، بمعنى «القدر المقدور» معبود النبطيين، وقولهم: حانت منيته وحان قدره معنى واحد عند عباد مناة.
ولا شك أن قصة «عمرو بن لحي» الذي اتفقت الأخبار على أنه نقل الأصنام من بلاد النبط إلى الكعبة، إنما هي وسيلة من وسائله لتعظيم شأن الكعبة عند أهل الشمال، وإيناسهم بها كلما رحلوا إلى الحجاز، وتقريب ما بينهم وبين شعائر البيت الحرام، وهم جميعا حريصون على تحريم هذه الشقة، وحماية روادها من كل قبيل.
Halaman tidak diketahui