448

قال السيد شرف الدين - أيده الله -: أخبرني من لا أتهم أن هؤلاء إذا أتى بهم(1) صاحب الموت أدخلهم إلى دار أعدها لهم، فيها أنواع الفواكه والملاذ والمآكل النفيسة الطيبة والأنهار المطردة، فيرون شيئا لم يروه قبل، ولا يدخلون تلك إلا بعد أن يسقوا شيئا من المسكرات تزول معه عقولهم، فلا ترجع عليهم عقولهم إلا في تلك الدار، ثم لا يخرجون عنها مدة، فإذا أراد أن يدس واحدا منهم أو جماعة أمرهم فسقوا شيئا يزيل عقولهم، ثم يخرجون، فإذا خرجوا تركوا في أخس مكان، حتى يروا من الهوان ما تقطع قلوبهم معه حسرة لما كانوا عليه، ثم يدس إليهم من يسألهم عن حالهم؟ فيقولون: لا ندري كنا في دار كذا وكذا من النعيم، ثم صرنا إلى هذه الحالة من الهوان فيقول لهم : فإني أدلكم على أمر ترجعون به إلى دار أعظم مما رأيتم فيقولون: وكيف لنا بذلك؟ فيؤتى بهم إلى تلك الدار التي كانوا فيها، فيمتلون(2) فرحا، ويفتح لهم بابا(3) إلى شيء ينظرونه من بعيد، بينهم وبينه حجاب من زجاج، من ورائه صور ناس عليهم أنواع الملابس وحولهم من الملاذ وحلي الذهب والفضة والجواهر وتصاوير الأطيار وأشياء عظيمة يفتنون(4) بها، ويصبون إليها، ويستصغرون تلك الدار التي كانوا عجبوا بها فيقول لهم القائل: أرأيتم تلك الصورة؟ فيقولون: نعم، فيقول: ذلك فلان، كان أمره مولاه أن يقتل فلانا الملك، فقتله وقتل، وانتقل روحه إلى هذه الصورة ثم هو في هذه النعمة أبدا، فإن أردت تنال هذه الدرجة فامتثل أمر مولاك، فيقول: حبا وكرامة. فيقول: إن حدثت نفسك بالسلامة بطل أجرك، وغضب عليك مولاك أبدا. وتنتقل إلى دار الهوان وتنتقل روحك إلى كلب أو خنزير وغير ذلك أبدا، فيقول: كلا، وربما يختبرهم سلطانهم فيشير إلى الواحد فيرمي بنفسه من شاهق أو يقتل نفسه، وهذا ما نقل إلينا من هؤلاء الذين لم يسمع بمثلهم في الدنيا ودسيستهم على الملوك، إما بأن يأتوهم في هيئة صناع من الصنع النفيسة الغريبة، وإما في هيئة الغرباء والصوفة، وإما في هيئة /274/ المماليك الذين يباعون فيبيع الواحد منهم أخاه أو ابنه ممن يريد قتله من الملوك، فمنهم من يقتل بسكين تسمى الحوصة(1) محكمة الصنعة طولها من نحو ذراع بمقبضها مسقية مسمومة، ومنهم من يقتل بهيئة(2) على هيئة الإبرة، أو على القطبة الحسكة(3) من الحديد المسمومة، ويقيم الواحد منهم السنين الكثيرة حتى تمكنه الفرصة ممن يريد، ولهم حيل وتدخل على الملوك لا يبلغ إليه أحد سواهم، ولم يعلم بدخولهم اليمن على أحد من الملوك قبل إمامنا إلا أن يكونوا غير قاصدين لأحد، هذا فيما ظهر، والله أعلم.

قال الراوي: والسبب في وصول الحشيشي إلى اليمن أن سلطان اليمن ذلك الأوان وهو يوسف بن عمر بن علي بن رسول لما قام في حرب الإمام كتب إلى الخليفة، وأعلمه بما هو فيه من المدافعة عن ملك الخليفة، وهو المعتصم بن المستنصر بن الناصر صاحب بغداد كتابا، وأرسل إليه رسولا وأموالا وملابس نفيسة، وعقد له السلطة(4) في اليمن وولاه من تحت يده، فطال بذلك، فلما كان في أيام طلوع هذا السلطان إلى صنعاء وخروج الإمام عنها وجه رسولا إلى الخليفة يقال له: ابن أبي الفهم، فأمر الخليفة إلى صاحب الموت، فوجه إليه بحشيشيين: أحدهما رجل قد طعن في السن أعور لعين طويل القامة، جليل المشاس(5)، شيطانا مريدا، والآخر غلام حدث السن في سن الشباب كامل الخلق، واسم هذا الشيخ فيما حكي: يوسف بن حسن، زعم أنه من الموصل، والله أعلم.

Halaman 499