عندما أشعر أني وحيدة تجتاحني ذكرياتي مع جدي، وتحاصرني.
هو الإنسان الوحيد الذي لم أشعر بالوحدة وأنا معه. كنا نجلس معا في المزرعة بعد المغرب قريبا من الأشجار المغروسة أمام الجدار، وكان يصر على أن يحمل كل شيء وحده نافيا عن نفسه ما أتهمه به من أنه بلغ من الكبر عتيا. يضع كرسيين و«تربيزة» صغيرة، ونجلس لشرب الشاي باللبن. عندما نجلس يمسك بيدي، ويثرثر، ويثرثر، ويقول: «أنت وحدك من يستمع إلي.» فأمازحه قائلة: «سأخبر جدتي حين تأتي لي بالأحلام، وستحطم بعكازتها ما تبقى لك من أسنان يا جدي، فلا تثرثر بعدها، ولا تشك أنه ليس هناك من يسمعك.» تنطلق ضحكة مدوية من حنجرة جدي، ويسألني إن كان قد أثقل علي، فأهز مسرعة برأسي بعلامة النفي، وأقول: «لا لا، أنا أحب أن أسمعك، وأحب أن أتحدث إليك.»
يصمت، ويصر كعادته أن يسكب الشاي بنفسه، وكالعادة أرفع الكوب فأجده فارغا، وأجد جدي قد صب الشاي في الصينية، فأهمهم بكلمات تدل على الضجر، وأمسك الإبريق، وأصب الشاي من جديد، وأقول لجدي: «كبرت.»
فيقول: «الظلام بنيتي.» وتعلو ضحكتي، يزجرني لأخفض صوتي، فأضحك حتى تدمع عيناي كعادتي، وأقول: «كبرت وربي، كبرت يا جدي، ألا ترى القمر وقد اكتمل؟ ألا ترى كل هذا الضياء والنور؟» يبتسم ويتناول كوب الشاي باللبن من دون سكر، ولعل لسان حاله يقول:
ألا ليت الشباب يعود يوما
فأخبره بما فعل المشيب
جدي كان يحدثني عن التصالح مع الذات، كان يحدثني عن أشياء لا أفهمها في كثير من الأحيان، فأهز رأسي، وقد أعقد حاجبي، وأقول: «لم أفهم شيئا.»
لم يكن يشرح لي، بل يقول فقط: «ستكبرين بنيتي وستتعلمين الكثير، الكثير، يكفيك أن تنصتي بهدوء لكل سكنة في الكون.» لعله كان يعني أن الحياة وحدها تفسر نفسها.
أصمت وأرفع بصري إلى السماء فيمر شهاب، وتتلألأ النجوم على صفحة السماء، ويبدو القمر في أبهى حلة، فأبتسم، وأنظر إلى جدي، فأجده يطيل النظر إلى وجوه المارة، يفترس ملامحهم، وعبثا يحاول التعرف عليهم، فيسألني من هذا؟ ومن هذا؟ «هذا جارنا يا جدي.»
فيلقي عليه التحية. «والباقون؟» «عابرو سبيل يا جدي.» «مثلنا!» «نعم.»
Halaman tidak diketahui