إسبانيا
خلاصة تاريخية
إن إسبانيا أول بلاد أوروبية بعد بلاد الروم ورد ذكرها في الكتابات القديمة؛ فقد جاء في التوراة ذكر ترشيش حيث كان تجار الفينيقيين وتجار اليهود في زمان الحكيم سليمان يترددون لجلب الغنائم. و«ترشيش» في اصطلاح الأقدمين القسم الجنوبي من إسبانيا، وهو الذي له ذكر في تاريخ البلاد أكثر من سواه، وقد كان تجار صور وصيدا يعرفون شطوط إسبانيا وينقلون منها الأشياء الثمينة قبل التاريخ المسيحي بأكثر من ألفين وثلاثمائة سنة، ومن المؤكد أنهم عمروا بعض أراضيها وبنوا فيها المدائن، مثل قادش وملاغة وكوردوبا (ولكل من هذه المدن أسماء عربية سيجيء بيانها فيما يلي) في القرن السادس عشر والخامس عشر قبل التاريخ المسيحي.
وقد ظل الفينيقيون مستأثرين بخير إسبانيا زمانا حتى انتبه اليونان إليها في القرن التاسع قبل التاريخ المسيحي، وجاء بعض التجار والمخاطرين من أهل رودس إليها فأسسوا مستعمرة روديا، وهي روزاس الحالية في ولاية كتلونيا، وتلاهم غيرهم من اليونان أيضا؛ فتراجع الفينيقيون أمامهم حتى كانت سنة 480 قبل المسيح واشتبك أكثر اليونان في حروبهم مع الفرس فجاء أهل قرطاجة - وهم من أصل فينيقي - وملكوا أراضي الأندلس وبلنسية وكتلونيا، وأسسوا مدينة قرطاجة الجديدة، فكثرت أرباحهم وزادت متاجرهم حتى إذا قويت شوكة الرومانيين وكبر سلطانهم تطلعوا إلى هذه البلاد الغنية وحسدوا القرطاجيين على ما يربحون منها، فبدءوا بالتداخل في سنة 232 قبل المسيح، ومن ذلك العهد بدأ التنافس بين الدولتين فلم ينته إلا بعد حروب هائلة سحقت فيها قرطاجة سحقا، وفاز الرومانيون في بدء القرن الثاني قبل الميلاد بالاستيلاء على إسبانيا، ولكنهم ظلوا نحو مائتي عام يحاربون أهلها الأشداء ولا يقدرون على إخضاعهم إخضاعا تاما حتى انتهى الأمر بالفوز التام لدولة الرومانيين في عهد الإمبراطور أوغسطس قيصر سنة 19 قبل الميلاد، وما أنفقت دولة رومة مالا ورجالا على فتح بلاد مثل ما أنفقت على فتح إسبانيا في تلك السنين الطوال، ولكنها شعرت بالربح بعد الاستيلاء عليها وعلمت أنها لم تضع تلك النفقات سدى، وصارت إسبانيا بعد ذلك أهم ممالك الرومانيين استوطنها كثيرون منهم وولد فيها بعض من أشهر قياصرتهم وأعظمهم، مثل تراجانوس وأدريانوس وماركوس أوريليوس، وكذلك قام من أهل قرطاجنة مدة زهائها أعظم القواد في إسبانيا وأشهرهم أسدروبال وهنبال القائد الإفريقي العظيم الذي لم يذكر التاريخ أبرع منه في قيادة الجنود وتدبير المواقع.
وكان أهل إسبانيا على عهد الدولة الرومانية مثل غيرهم من عبدة الأصنام، وهم أهل خشونة وشدة، فما دخلت الديانة المسيحية بينهم إلا بعد انتشارها في الشرق، وأهل البلاد يزعمون أن ملر يعقوب أحد الرسل وصلها وبشر الأهالي بالإنجيل فيها، ولكنها ما لبثت أن اعتنق أهلها هذا الدين بعد اضطهاد القياصرة الرومانيين حتى صارت من أشهر مراكزه، وكان لأسقفها هوسيوس كرسي الرئاسة في المجمع النيقاوي المشهور الذي عقد سنة 325 في نيقية، وبقيت على حال واحدة من الخمول والتأخر حتى انقراض الدولة الرومانية وتسلط الأقوام المتبربرة على أراضي تلك الدولة المشهورة، وكانت إسبانيا مطمع هؤلاء الفاتحين لما اشتهر عن خصب أرضها وجودة هوائها، فلما جاءت قبائل الغوث في سنة 410 بعد المسيح لمحاربة الرومانيين أخذت إسبانيا قبل غيرها، واستولى الأمير أتولفوس عليها فصار ملكا لدولة كبيرة حكمت هذه البلاد ثلاثمائة سنة، ولم يكن لهذه الدولة الغوثية شهرة في شيء سوى الخمول والمظالم، وكان أول من ملك إسبانيا كلها من هؤلاء الملوك رشلان سنة 438، وخلفه كثيرون أشهرهم أورك، وهو الذي استولى على جنوبي فرنسا سنة 466، وورثها من بعده الملوك حتى إذا بدأ القرن الثامن بعد المسيح صارت الدولة إلى حالة الضعف من جبن ملكها رودريك وكثرة المضادين له والساعين في دس الدسائس، وكان من أمر هؤلاء المضادين أنهم لما أعيتهم الحيل في خلع الملك رودريك استعانوا بالعرب من أصحاب الغرب الأقصى فلبى العرب الدعوى وأرسلوا على إسبانيا جيشا صغيرا تحت قيادة الأمير طارق بن زياد، وكان هذا الجيش لا يزيد عن 1500 محارب دخلوا إسبانيا من عند جبل كالب الذي سمي بعد ذلك جبل طارق باسم هذا الفاتح في آخر شهر أبريل من سنة 711 مسيحية، وكان في ذلك سقوط الدولة الغوثية وقيام الدولة العربية.
وقد كنت أتمنى لو يمكن التطويل في سرد وقائع العرب وتاريخ الأندلس الشهي لولا أن المقام ليس للتاريخ، والمراد لمحة يفهم منها القارئ خلاصة ما مر على البلاد التي نريد وصف مشاهدها. وعلى هذا فأذكر أن نجاح الأمير طارق في أول الأمر جرأ الأمير موسى نائب الوليد - وهو يومئذ الخليفة الأموي - على إرسال جيش آخر قاده بنفسه والتوغل في البلاد، فلما رأى الملك رودريك ذلك قام لمحاربة الهاجمين بجيش جرار قاده بنفسه، وعدد أفراده تسعون ألفا ودارت رحى الحرب عند قرية زيرس وهي تقرب من موقع قادس المشهور ثلاثة أيام متوالية، كسر بعدها الإسبانيون كسرا تاما وتفرقوا في جوانب الأرض، فوقعت البلاد برمتها في قبضة العرب لا سيما وأن الملك رودريك نفسه قتل في تلك المعركة ولم يخلفه على الملك أحد، وكان جيش العرب في معركة زيرس لا يزيد عن 18 ألفا تحت قيادة موسى بن نصير الذي ذكرناه، وكان طارق بن زياد قد أخضع عدة مدائن قبل وصول الأمير موسى في جملتها ملاغة (مالقة) وكوردوبا (قرطبة) وطوليدو (طليطلة)، فلما انتهى موسى من زيرس تقدم على بقية المدائن، مثل سقيل (إشبيلية) وبيجا ومرتولا وغيرها وملكها على عجل، فما مر زمان على موسى وطارق حتى أخضعا كل إسبانيا ما خلا البلاد الجبلية الواقعة في الشمال، وهي بلاد كاستيل وأستوريا ظلت مستقلة كل مدة الدولة العربية، ونشأ منها بعد ذلك الملوك الذين طردوا العرب من البلاد على ما يجيء، وكان أهل هذه البلاد الجبلية في كل زمان أصحاب البأس الشديد في محاربة الأعداء لم يقو عليهم فاتح في زمن من الأزمان، وما زالوا من أول عهدهم أصحاب اليد الطولى في استقلال إسبانيا وتوحيد كلمتها، حاول العرب في أول الأمر إخضاعهم فرأوا من صعوبة مراسهم ما ردهم عنهم، واستمرت مملكة العرب نامية في إسبانيا ومملكة أستوريا هذه إلى جانبها والعرب لا يقربونها حتى أيام المنصور، وذلك بعد الفتح بنحو مائتي عام وهو أيضا أخفق سعيا مع هؤلاء القوم البواسل.
وما زال الزعماء من العرب يتوالون الإمارة في إسبانيا من قبل الخليفة الأموي حتى عام 755 حين جاء البلاد الأمير عبد الرحمن الأموي فارا من وجه العباسيين بعد انقراض الدولة الأموية؛ فنال لحسن حظه واتساع مداركه تعضيد الأكابر وصار ملكا لإسبانيا كلها وأسس دولة العرب العظيمة وفصلها عن الخلافة العباسية، فكان ذلك بدء عصر مجيد لإسبانيا لم تر نظيره فيما مر من تاريخها؛ لأن عبد الرحمن كان رجلا عالما محبا للخير، ساعيا في ترقية بلاده وتهذيب الأفكار، مقربا لرجال العلم والأدب جوادا على الكتاب والشعراء، شاد العمائر وأقام للعلم صروحا كثيرة، ولما دنا أجله جمع من حوله الولاة والقواد وأوصاهم بالخضوع لابنه هاشم من بعده، وكان ذلك في سنة 787 مسيحية.
وكان هاشم مثل أبيه عادلا عاقلا فاقتفى خطواته فزهت المملكة في أيامه وتقدمت تقدما عظيما، ولكنه أصابه ما لم يصب أباه من هجوم أهل الشمال على بعض أملاكه وارتداد جنوده عنها، وبدأ أمراء الإسبان من ذلك العهد يستعيدون سابق عزهم والعرب يتقهقرون ويخسرون بعض الإمارات مدة هاشم والحاكم ومن تلاهما من الملوك حتى قام عبد الرحمن الثالث سنة 912، وكان ملكا عظيما واسع العقل كبير الدراسة؛ فأعاد إلى مملكة العرب عزها الشامخ واسترجع الصولة المفقودة، وهو الذي بنى قصر الزهراء عند قرطبة وسيجيء ذكره، يعد أعظم ملوك العرب في إسبانيا وأيامه أحسن أيام هذه الدولة الزاهرة، وخلفه ابنه الحاكم الثاني سنة 961، وكان أشهر أمراء العرب في حب العلم وتقريب العلماء، رأت البلاد على عهده عزا كثيرا، فلما مات خلفه ابنه هاشم الثاني وهو صبي في الحادية عشرة من عمره، فتولى الوصاية الأمير محمد بن عبد الله الملقب بالمنصور، وهو أعظم قواد العرب في أيام تلك الدولة الكبيرة، قاد الجيوش إلى ساحات النصر، وكان أكبر ضربات الزمان على أهل إسبانيا الذين لم يرضخوا لحكم الدولة الإسلامية؛ فإنه ظل 25 سنة يرسل عليهم كل سنة مرتين جيشا قويا يقوده بنفسه فيذيقهم البلاء الأكبر ويخرب معاقلهم ويقتل الألوف من رجالهم وينهب خير بلادهم حتى لم يبق في حوزتهم غير جبال أستورياس الوعرة. ولما جاءت سنة 1000، استعد استعدادا عظيما لاستئصال شأفة المعادين، وإخضاع البلاد كلها للدولة الإسلامية، فكان في تلك الشدة وذلك الاستعداد الهائل أصل البلاء على الدولة الإسلامية؛ لأن الإسبانيين شعروا بضيق كبير وهالهم قصد المنصور وفعاله الماضية، فاتحدوا بعد الانقسام وتعاهدوا على الدفاع ومحاربة العرب بلا انقطاع حتى اجتمع لديهم قوة عظيمة، أقسم أفرادها على التفاني في محاربة العرب فلاقاهم المنصور عند قلعة النصر وأصلاهم حربا عنيفة هائلة لم يتم فيها النصر لأحد الجانبين، ولكنها انتهت بالخذلان لجيش العرب؛ لأنهم رجعوا عن البلاد غير غانمين وتقوت شوكة الأمراء المتحدين، فما أطاق المنصور صبرا على هذا الخذلان ومات كمدا سنة 1002، فكان موته آخرة العز والسؤدد للدولة العربية في إسبانيا ولم تقم لها قائمة بعد ذلك.
ولما شعر أمراء إسبانيا بالقوة بعد هذا زادوا جرأة وكان من أمرهم أن فرناندو الأول ملك كاستيل ضم بلاد ليون إلى مملكته سنة 1037؛ إذ اقترن بصاحبة تلك البلاد، ومن ثم نشأت دولة إسبانيا قوية هي أساس الدولة الحاضرة، وتقدم فرناندو هذا على بلاد مدريد وطليطلة وضرب الجزية على أهلها من العرب، وملكها ابنه ألفونسو من بعده في سنة 1083 فعادت إلى قبضة الملوك المسيحيين بعد أن ملكها العرب 374 سنة، وكان من سوء حظ العرب وقتئذ أنه كثر التحزب والانقسام بينهم، فصار ملوك كاستيل يأخذون البلاد منهم ولاية بعد ولاية حتى إن ألفونسو الثاني لقب نفسه سنة 1135 ملك إسبانيا كلها؛ لأنه لم يبق للعرب غير القسم الجنوبي منها، ولما جاءت سنة 1238 رحل كل العرب عن إسبانيا وأموا ولاية جرنادا (غرناطة)، حيث أسسوا دولة جديدة دامت بعد سقوط دولة الأندلس العظيمة 250 سنة، ولكنها كانت دولة ضعيفة عاشت بانقسام أمراء إسبانيا وتضاغنهم، وكانت في أكثر مدة وجودها تدفع جزية إلى ملوك كاستيل.
وكان أول ملوك غرناطة محمد الأول عاقلا محبا للعلم مثل الذين أسسوا دولة الأندلس، وهو الذي بدأ ببناء قصر الحمراء المشهور - سيجيء ذكره - وخلفه سنة 1273 ابنه محمد الثاني فسار على خطته، وأتم بناء الحمراء وعضد رجال العلم، ثم تلاه ملوك آخرون لم يشتهروا بشيء يذكر، وكانت دولتهم تزيد ضعفا وتقهقرا حتى قام فرناندو الثاني ملك أراجون واقترن بإيزابلا ملكة كاستيل فضم المملكتين وصيرهما دولة واحدة قوية في سنة 1469، وكان ذلك بدء عصر جديد لإسبانيا ومجد عظيم لم يخطر على البال؛ فإن هذا الملك اكتشفت أميركا في أيامه، وكانت إسبانيا السابقة إلى الاكتشاف وامتلاك القارة الواسعة، ثم جعل فرناندو همه طرد العرب من إسبانيا كلها حتى لا يبقى فيها ملك سواه، وكانت امرأته الملكة إيزابلا نشيطة مثله وافقته على رأيه؛ فأثار على مملكة غرناطة حربا شديدة وأصلاها نارا حامية، وكان ملكها يومئذ - واسمه أبو عبد الله - رجلا ضعيفا لم يقو على خصمه الشديد فسلم البلاد له سنة 1492، ورحل مع قومه إلى شطوط أفريقيا وبذلك انتهت أيام العرب في إسبانيا.
Halaman tidak diketahui