882
فليجد دون قيد ولا شرط.
والغيرة على الحرية واجبة قبل كل شيء فلا يجعل المرء لأحد سلطانًا عليه فإن مصيبة المصائب ونكبة النكبات أن يكون الإنسان آلة في أيدي غيره وأنني إذا ما خامرني شك في استقلال امرئ بيني وبينه خلطة وعمل ورأيت منه أنه لا يعمل بإرادته ولا يفكر بعقله عراني لحاله ألم شديد وتضاءل أمامي حتى لأتلمسه فلا أجده وإنما أجد مكانه خيالًا يدعو إلى الرعب والفزع كلما قام أو قعد ظننت أنه يخفي وراءه شباكًا نصبت لاغتيالي.
أعمل بإرادتك واختيارك وإذا ما أحرجتك الصيحة فلا تستثر إلا ذا بصيرة وعقل ولكن احرص كل الحرص على حقك في إهمال رأيه إذا أنت لم تجده سديدًا وأن في تخيلك عن حريتك تركًا لحقك في قضاء واجبك ولا تضع شيئًا فوق ضميرك ووجدانك.
وجملة القول واجبك نحو نفسك أن تكون صالحًا لأمر ما وذا قيمة ونفع للبيئة التي تعيش فيها وقد تضطر بعض الأحيان إلى تضحية النفس في سبيل خدمة قومك فافعل ولا تحجم إن كانت هذه التضحية من واجبك ولا يلتبس عليك الانتحار بالتضحية وما تضحية الروح إلا أن تقذف بنفسك إلى حظيرة الموت أو أن لا تطير على الأقل من الموت رعبًا وجبنًا فإن كان الدافع لك صالحك الشخصي بأن اعتقدت أن في مفارقتك للحياة سعادة لك وهناء لروحك أو نهاية لآلامك وأحزانك وخلاصًا من بؤسك وشقائك فهذا هو الانتحار. أما التضحية فالعمل بشجاعة وثبات على قضاء واجب يكون الموت خاتمته وقد يدعوك واجبك إلى اقتحام المخاوف وتعريض حياتك إلى الأخطار وبذل صحتك وراحتك أو ترك شيء من آمالك وما ترتجيه من مستقبلك أو إلى تمزيق قلبك وإطفاء وجدانك، ومن الجائز - وإن كان من أندر الأمور_أن يقضي عليك صالح الجماعة بتنازلك عن جزء من استقلالك وحريتك فأقدم ولا تجبن إن كان هذا واجبك فإن ما في جسمك من لحم ودم وعظم وما في رأسك من ذكاء وعقل وبصر وسمع وما فيك من قوة وصحة وشعور وإحساس متاع للمجتمع وثروة لست إلا مديرها وأنك لم تعط هذه المواهب لتحبسها وتضن بها كالبخيل الذي يشح بماله ويحتفظ بكنوزه فتذهب فائدتها وإنما لتحسن تصرفها وإنفاقها في صالح أمتك ووطنك.
الفصل الثاني

13 / 41