339
الابتداع وهما شيئان مقرونان في قَرَن.
أما شعراء الجاهلية وصدر الإسلام فإنهم وجدوا الفحش وهُجْر الكلام أنكى وأوجع وقد يمزجون به شيئًا من الفكاهة هذا سبيلهم في الهجاء إلا في القليل النادر وأما شعراء الدولة العباسية فإنهم يستعملون الفحش في الهجاء أيضًا ولكنهم تفننوا في استعمال الفكاهة اللاذعة وشعراء الجاهلية وصدر الإسلام يستعملون الفكاهة في السخر والتعجيز أكثر من استعمالهم إياها في الهجاء أو الوصف هم يستعملونها كثيرًا في الوصف إذا أريد منه السخر وممن استعمل الفكاهة من الشعراء العباسيين فأجاد أبو نواس ومن بديع شعره في هذا الباب قوله في البخيل:
خبز الخصيب معلق بالكوكب ... يحمى بكل مثقف ومشطب
جعل الطعام على بنيه محرمًا ... قوتا وحلله لمن لم يسغب
انظر إلى قوله (وحلله لمن لم يسغب)
ويعجبني في هذا الباب قول حافظ إبراهيم في الفقر:
وخال الرغيف في البعد بدرًا ... ويظن اللحوم صيدًا حراما
وقال أبو نواس:
رأيت الفضل مكتئبًا ... يناغي الخبز والسمكا
فأسبل دمعه لما ... رآني قادمًا وبكى
فلما أن حلفت له ... بأني صائم ضحكا
إذا كان لأهل الفضل والأخلاق الحميدة أن يبيحوا الهجاء فلا أكثر من هذا والشاعر خليق أن ينزه منطقه عن مثل ما وقع بين الفرزدق وجرير والأخطل والبعيث أو مثل ما وقع بين بشار وحمّاد عجرد أو مثل أهاجي ابن الرومي في بوران أو هجاء المتنبي لأبن كيغلغ وماذا يري الأديب مما تسيغه النفس المهذبة في هجاء البحتري للمستعين حيث يقول:
وما كانت ثياب الملك تخشى ... جريرة بائل فيهن خارى
أو قول الأخطل:
قوم إذا استنبح الأضياف كلبهم ... قالوا لأمهم بولي على النار
أو قول المتنبي يحمي ابن كيغلغ الطريق وعرسه ما بين رجليها الطريق الأعظم إلى آخر

6 / 3