Mabda dan Maad
المبدأ والمعاد
Editor
قدمه وصححه : الأستاذ السيد جلال الدين الآشتياني
Edisi
الثالثة
Tahun Penerbitan
1422 - 1380ش
ا
بسم الله الرحمن الرحيم [المقدمة] سبحانك اللهم يا مبدع المبادي والعلل وغاية الثواني والأول؛ اهدنا سبيلا مستقيما نسلكه إلى جنابك وطريقا موصلا نصل به إلى عزيز بابك.
يا فاعل الهويات وموجد الماهيات ومنبع الخيرات وغاية الحركات؛ أنت بالمنظر الأعلى والمقصد الأسنى ونحن أبناء النقائص والخسارات في منزل الأدنى والقربة الوحشاء مع القرناء السوأى؛ أسارى قيود الإمكان والظلمات وسكارى تعلقات الأجسام والهيوليات وحيارى سحرة الطبائع والماديات.
فطهر عقولنا بتقديسك عن رجس الضلالات وخلص نفوسنا بتنويرك من أغشية الأوهام والخيالات وأيدنا للارتقاء إلى مشاهدة أنوارك ومقربيك ومعاينة أضوائك ومجاوريك من أهل رحموتك وسكان ملكوتك سيما من هدانا إلى صفاتك العليا وأرشدنا إلى أسمائك الحسنى محمد أشرف المرسلين وآله خير الأوصياء الصالحين عليهم أفضل صلوات المصلين وأطهر تسليمات المقدسين.
أما بعد فيقول أفقر خلق الله إلى هدايته وتوفيقه وأحوجهم إلى إرشاده وتأييده محمد بن إبراهيم والمعروف بالصدر الشيرازي أصلح الله حاله وحصل آماله: لما رأيت
Halaman 99
التطابق بين البراهين العقلية والآراء النقلية وصادفت التوافق بين القوانين الحكمية والأصول الدينية؛ وإن أجل الذخائر والسعادات وأفضل الوسائل إلى الفوز بأقصى الدرجات وأعلى الخيرات؛ هو تكميل القوة النظرية بتحصيل العلوم الحقيقية والمعارف اليقينية التي هي أنفس ما يطلبه النفوس الإنسانية وأشرف ما يستكمل به العقول الهيولانية إذ بها يصير الإنسان سالكا سبل الكمال والعرفان متوجها شطر كعبة العلم والإيمان متخلصا عن سجن الحدثان والخسران إلى جهة السعادة ومجاورة الرحمن؛ فائقا على الأشباه والأقران كما أشارت إليه الكتب الإلهية ونبهت عليه الرموز النبوية وأوضحت القواعد الحكمية.
ثم إن العلوم الكمالية والمعارف اليقينية مختلفة الأنواع والفنون؛ متكثرة الشعب والشجون إلى حد وغاية يعجز كل نفس إنساني سيما في تعلقها بهذه النشأة التعلقية عن استحصال جميعها واستحضار فن من أصولها وفروعها وإنا عملنا لمن له فضل قوة لتحصيل الكمال على وجه أبلغ وأوفر؛ كتابا جامعا لفنون العلوم الكمالية التي هي ميدان لأصحاب الفكر وفيها جولان لأرباب النظر سميناه الأسفار الأربعة لكن القدر الواجب تحصيله واللازم على المقتنين تكميل ذاته بسلوك منهجه وسبيله: أن يحصل منها ما هو أهم وأولى ومباحث عما هو أشرف وأعلى.
ولا شك أن أفضل العلوم الإلهية هو معرفة ذات الحق الأول ومرتبة وجوده بما له من صفات كماله ونعوت جماله وكيفية صدور أفعاله وأنها كيف ابتدأت الموجودات الباديات منه وكيف عادت العائدات إليه.
وإن أفضل العلوم الطبيعية معرفة النفس الإنسانية وإثبات أنها كلمة نورية وذات روحانية وشعلة ملكوتية وبيان أنها لا تموت بموت البدن وأنها كيف يستكمل حتى يضاهي جواهر الملائكة بأن يصير عالما عقليا منتقشا فيها على سبيل القبول ما هي منتقشة في المبادي على سبيل الفعل وأنها كيف يتحد بالعقل الفعال وكيف يصير معقولاته فعلية بعد ما كانت انفعالية ومعنى كون العقل الهيولاني مجمع البحرين وملتقى الإقليمين حيث هو نهاية الجسمانيات وبداية العقليات وكيفية حال السعادة والشقاوة
Halaman 100
الحقيقيتين وما هما ليسا بحقيقيتين بل ظنيتين فإن معرفة النفس وأحوالها أم الحكمة وأصل السعادة ولا يصل إلى درجة أحد من الحكماء من لا يدرك تجردها وبقاءها على اليقين كإخوان جالينوس وإن ظنهم الجاهلون حكيما.
وكيف صار الرجل موثوقا به في معرفة شيء من الأشياء بعد ما جهل بنفسه كما قال أرسطاطاليس: إن من عجز عن معرفة نفسه فأخلق بأن يعجز عن معرفة خالقه.
فإن معرفتها ذاتا وصفة وأفعالا؛ مرقاة إلى معرفة بارئها ذاتا وصفة وأفعالا لأنها خلقت على مثاله فمن لا يعرف علم نفسه لا يعرف علم بارئه وفي النظم الفرس.
اى شده در نهاد خود عاجز * كي شناسى خداى را هرگز تو كه در علم خود زبون باشى * عارف كردگار چون باشى وفي الحديث المروي عن سيد الأولياء من عرف نفسه فقد عرف ربه إيماء إلى هذا المعنى يعني: من لم يعرف نفسه لم يعرف ربه. وقوله تعالى في ذكر الأشقياء البعداء عن رحمته نسوا الله فأنساهم أنفسهم بمنزلة عكس نقيض لتلك القضية إذ تعليقه جل وتعالى نسيان النفس بنسيان ربها تنبيه للمستبصر الزكي على تعلق تذكره بتذكرها ومعرفته بمعرفتها.
وقيل: كان مكتوبا على بعض الهياكل المشيدة في قديم الزمان ما نزل كتاب من السماء إلا وفيه يا إنسان اعرف نفسك تعرف ربك.
وقريب من هذا ما نقله الشيخ الرئيس في بعض رسائله: من أن الأوائل كانوا مكلفين بالخوض في معرفة النفس لوحي هبط عليهم ببعض الهياكل يقول: يا إنسان اعرف نفسك تعرف ربك.
وفي الحكمة العتيقة من عرف ذاته تأله أي صار عالما ربانيا فانيا عن ذاته مستغرقا في شهود جمال الأول وجلاله. وبالجملة في معرفة النفس تيسر الظفر بالمقصود والوصول إلى المعبود والارتقاء من هبوط الأشباح إلى شرف الأرواح والصعود من حضيض السافلين إلى أوج العالين ومعاينة جمال الأحدي والفوز بالشهود السرمدي قد أفلح من زكاها و قد خاب من دساها.
Halaman 101
فرأيت أن يشتمل كتابي هذا على فنين كريمين هما أصلا علمين كبيرين وثمرتاهما وغايتاهما أعني: فن الربوبيات المفارقات المسمى بأثولوجيا من العلم الكلي والفلسفة وعلم النفس من الطبيعيات فإنهما من المقاصد التي هي أساس العلم والعرفان والمطالب الذي يضر الجهل بهما في المعاد للإنسان كما يشهد به جميع الأمم الفاضلة السابقة واللاحقة إلى هذا الزمان ويحكم به العقول الزكية والنفوس الخيرة من أولي الدراية والعرفان.
ثم ليعلم إخواني المؤمنين ورفقائي المجاهدين؛ أني قد حرمت على نفسي مناولة هذا الكتاب إلا لمن جبلت سريرته من غير تكلف على الإنصاف وتجنب بحسب الفطرة من غير مشقة عن الجور والاعتساف؛ من خلص الإخوان وصفوة الأحباء والخلان بشرط أن لا يبذل مقاصده للطبائع العنودة العسوفة ولا يبوح بمطالبه للمدارك الوهمانية المؤوفة وتقدسها عن الجلود الميتة التي كفرت بأنعم الله ولا يستودعها إلا للأنفس الحية كما قرره وأوصى به الحكماء الكبار؛ أولي الأيدي والأبصار.
فإن هذه المباحث ونظائرها غامضة دقيقة المسلك لا يقف على حقيقتها إلا واحد بعد واحد من أكابر العرفاء ولا يهتدي إلى كنهها إلا وارد بعد وارد؛ من أماجد الحكماء كما قال الرئيس جل جناب الحق عن أن يكون شريعة لكل وارد أو يطلع عليه إلا واحد بعد واحد.
وقال المعلم الأول: من أراد أن يشرع في علومنا فليتحدث لنفسه فطرة أخرى معناه: أن العلوم الإلهية مماثلة للعقول القدسية لاتحاد العاقل والمعقول وإدراكها يحتاج إلى لطف شديد وتجرد تام وهو الفطرة الثانية.
وأذهان الخلق من أول الفطرة غير ملطفة ولا مرتاضة بل جاسية كثيفة فلا يمكنها إدراك المعقولات المحضة كما هي هي وهو المسمى
Halaman 102
بالفطرة الأولى ولهذا أولياء الحكمة وأبناء الحقيقة ارتاضوا بالرياضات الملطفة وعالجوا أنفسهم بالمعالجات المصححة حتى تيسر لهم الخوض في بحر المعارف الإلهية والتعمق في الحقائق الربوبية وملاحظة المبدإ الأعلى على نحو ما يستطيع المخلوق أن يلاحظ خالقه.
وليس أن الحكماء الإلهيين حيث ستروا هذه العلوم وأمروا بالكتم عنها كان ذلك منهم ضنة وبخلا كلا فإنهم لتقدسهم وترفع شأنهم عن الاتصاف برداءة الأخلاق وخباثة الملكات يتحاشون عن ذلك وإن الذين خلصت نفوسهم بصفائها عن هذه المقبرة الظلماء وحصلت لهم ملكة خلع الأبدان والارتقاء إلى ملكوت السماء؛ كيف منعوا المستحق عن حقه ودفعوا السائل عن مستحقه بل لما رأوا عقول أكثر الخلق ضعيفة جاسية مئووفة يلحقها عند ملاحظة المعاني الإلهية ما يلحق عيون الخفافيش إذا نظرت إلى نور الشمس منعوا عن إيداع العلوم صدورهم الغير الزكية وإلقائه على عقولهم الغير القوية إلا لمن يستن بسنن الحكماء ويتخلق بأخلاق الأصفياء من رفض اللذات الحسية وترك المألوفات الطبيعية لأن من لم تصف نفسه من الكدورات البدنية ولم يرتض عقله بالرياضات العلمية والعملية فلا سبيل له إلى السعادات الأبدية ولا سلوك له في المناهج الإلهية.
واعلم أن من استفتح عين عقله من رقدة الغفلات وسنة التقليدات يهتدي بالتعمق في مباحث هذا الكتاب عند تميز القشر عن اللباب إلى طريق الرشاد ومنزل السداد والصواب ويرى لطائف أفكار لا يكاد يوجد في مطاوي الكتب الكبار ودقائق أستار لم يشر إليها حكماء الأعصار.
وهذا القدر الذي سيقرع سمعك من الحكم البحثية والكشفية إذا أحكمته سهل السبيل عليك إلى ما بعده من البسط والتحقيق والبحث والتدقيق لأني أوردت فيه مخ ما حصلته من الأقدمين وورثته من نتائج أفكارهم المبراة عن الشبه والشكوك وبينت فيه لب ما أخذته من الرؤساء المعلمين من ثمرة أفكارهم الحاصلة بالسير والسلوك مع ما ألهمت به وتحدست
Halaman 103
إلهاما وتأييدا من الله وملكوته مجتنبا حائدا عن طريقة المجادلين والمتفلسفين المحرومين عن الوراثة النبوية والشريعة المحمدية صلى الله عليه وآله على الصادع بها وآله ألف الصلوات والتحية مائلا عن مذهب الظاهريين الذين يخدمون ظاهر الألفاظ والمباني وقد حرمهم الله تعالى بواطن المعاني.
فها أنا إذا أفيض في المقصود مستمدا من واجب الوجود وواهب الخير وصانع الجود متوكلا في جميع الأبواب على الحي المعبود لا حول إلا حوله ولا قوة إلا قوته وإليه يرجع الأمر كله.
Halaman 104
الفن الأول في بيان الربوبيات والإشارة إلى معرفة الحق الأول وصفاته وكيفية أفعاله المترتبة الآخذة منه المنتهية إلى أقصى الوجود في السلسلة النزولية وهو مترتب على مقالات.
Halaman 105
المقالة الأولى: في الإشارة إلى مبدأ الوجود وأن أي وجود يخصه وأنه تعالى في غاية الوحدة والبساطة.
فصل في ذكر عدة مباد من الفلسفة الكلية على سبيل الحكاية والبداية مفهوم الوجود نفس التحقق والصيرورة في الأعيان أو في الأذهان وهذا المفهوم العام البديهي التصور عنوان لحقيقة بسيطة نورية وهو أبسط من كل متصور وأول كل تصور وهو متصور بذاته فلا يمكن تعريفه بما هو أجلى منه لفرط ظهوره وبساطته.
فإذا أريد تصويره للغفلة عنه فإنما يراد؛ تصويره ذلك على سبيل التنبيه والإخطار بالبال فلا بأس بإيراد أسماء مرادفة لاسمه في تعريفه كالثابت والحاصل وغير ذلك ومفهومه معنى عام واحد مشترك بين الموجودات.
وحقيقته أمر بسيط منبسط على الممكنات زائد في التصور على الماهيات.
Halaman 107
ليس هو بجوهر في ذاته ولا عرض ولكن وجود الجوهر جوهر بعين جوهرية ذلك الجوهر ووجود العرض عرض بنفس عرضية ذلك العرض.
وهو مساوق للشيئية منقسم إلى الذهني والخارجي متكثر بتكثر الموجودات.
ولا واسطة بينه وبين العدم ولا تمايز بين الأعدام ولا تأثير للمعدوم بما هو معدوم وإذا حمل أو جعل رابطة؛ تحصل مواد ثلاثة: الوجوب والامتناع والإمكان.
ولا يمكن انقلابها إذا كانت ذاتية وقد يكون الأولان بالغير دون الثالث.
والممكن يجب وجوده بحصول السبب المرجح ويمتنع بعدمه وما لم يجب وجوده لم يوجد وما لم يمتنع لم يعدم وفي حالتي وجوده وعدمه ممكن في نفسه.
فلو أخرجه الوجود إلى الوجوب كما ظن بعضهم لأخرجه العدم إلى الامتناع فلا ممكن أبدا.
وإذا توقف وجود ممكن ما على عدة أمور يكون كل واحد منها جزء السبب والمجموع هو سبب تام وجود الممكن يتعلق بوجوده وعدمه بعدمه أو عدم جزء منه.
ولا يمكن وجود علل ومعلولات غير متناهية في زمان واحد.
ولا يتصور أن يكون شيئان كل منهما سببا للآخر متقدما عليه.
فصل في تقسيم الوجود إلى الواجب لذاته والممكن لذاته بقول تفصيلي وأن الممكن إنما يوجد بسبب مؤثر غير ذاته بوجه برهاني كل موجود إذا لاحظه العقل من حيث ذاته وأشار إليه مجردا عما سواه فلا يجده خاليا عن أحد وصفين.
إما أن يكون بحيث ينتزع من عين ذاته الوجود ويحكم عليه بأنه موجود أو لا يكون كذلك بل يفتقر في هذا الانتزاع إلى ملاحظة أمر وراء نفس الذات أي أمر كان مثل انضمام شيء إليه أو انتسابه إليه أو غير ذلك من الأمور الخارجة عن نفس الذات بذاتها.
فالأول هو مفهوم الواجب لذاته ومفهوم الحق الأول المعبر عنه بالوجود الحقيقي عند المشائين. المحكي عنه بالنور الغني عند الرواقيين وبمنشأ انتزاع الموجودية
Halaman 108
عند أهل الذوق من المتألهين وبالوحدة الحقيقية عند الفيثاغورثيين وبالمرتبة الأحدية وغيب الغيوب عند الصوفية والمقصود واحد والمذاهب إليه متشعبة.
وللناس فيما يعشقون مذاهب والثاني لا يكون ممتنعا لأن المقسم هو الموجود وضعا وفرضا فيكون ممكنا موجودا لا لذاته بل لغيره بحسب المفهوم والفرض. فافهم تنبيه فمصداق حمل الموجود ومطابق صدق الحكم بالموجودية في الواجب لذاته هو ذاته من حيث ذاته بذاته بلا ملاحظة أمر آخر وحيثية أخرى تقييدية أو تعليلية؛ انضمامية أو انتزاعية.
وفي الممكن بواسطة حيثية أخرى غير نفس ذاته فإذن الممكن في الموجودية أو اتصافه بالوجود أو صيرورته موجودا يحتاج إلى مؤثر يؤثر فيه أو جاعل يجعله متحدا مع مفهوم الموجود أو يضمه إليه أو يصيره بحيث ينتزع منه الوجود أو الموجودية بعد ما لم يكن كذلك نحوا من البعدية والقبلية غير إحدى القبليات والبعديات الخمسة المشهورة.
إذ كل ما يغاير شيئا بحسب الذات والمعنى ففي صيرورته إياه أو انضمامه إليه أو انتزاعه منه أو اتحاده به أو حمله عليه أو ما شئت فسمه يحوج إلى علة وسبب بخلاف ما إذا كان شيء عين الذات أو جزء مقوما له فإن توسيط الجعل وتخليل التأثير بين الشيء وذاته أو بينه وبين ما هو ذاتي له بديهي الفساد وأولي البطلان.
فتبين لك مما تلوناه أن ما هو مناط الوجوب الذاتي ليس إلا كون الشيء في مرتبة ذاته وحد نفسه حقا وحقيقة وقيومآ ومنشأ لانتزاع الموجودية ومصداقا لصدق
Halaman 109