Ma'a Al-Mushakikin Fi Al-Sunnah
مع المشككين في السنة
Editor
فاروق يحيى محمد الحاج
Genre-genre
ومما تقدم يتضح لنا: أن البول قائمًا ليس عملًا منكرًا ولا مستهجنًا، ولا مخالفًا للآداب والأخلاق النبيلة، بل هو أمر مألوف للعرب في جاهليتهم وإسلامهم.
ثالثًا: لما كان غالب أحوال النبي ﷺ البول قاعدًا (^١) مع إضافة حديث عائشة ﵂ السابق: (مَنْ حَدَّثَكُمْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَبُولُ قَائِمًا فَلَا تُصَدِّقُوهُ، مَا كَانَ يَبُولُ إِلَّا قَاعِدًا) (^٢) إلى ذلك فقد حاول بعض الأئمة الأعلام تفسير بوله ﷺ قائمًا، والأسباب التي دعته ﷺ إلى ذلك، فذكروا أمورًا معقولة لا تنافي توقيره ومحبته وعصمته ﷺ، وليست مختلقة، كما يدَّعي صاحب الرسالة، وهي كذلك متوافقة مع بشريته ﵊، ومما ذكروه في ذلك:
١ - ما روي عن الإمامين الشافعي وأحمد: أن العرب كانت تستشفي لوجع الصلب بالبول قائمًا. فلعله ﷺ كان به هذا الوجع.
٢ - أنه كان به ﷺ علة في مأبضه -أي: باطن ركبته-، فلم يتمكن ﷺ لأجله من القعود. ورُوي في ذلك حديث لم يصح (^٣).
٣ - ما ذكره الحافظ ابن حبان: "من أنه لم يجد مكانًا يصلح للقعود، فقام؛ لكون الطرف الذي يليه من السباطة كان عاليًا، فأمن أن يرتد إليه شيء من بوله" (^٤).
٤ - أنه ﷺ إنما بال قائمًا لأن السباطة رخوة يتخللها البول، فلا يرتد إلى البائل منه شيء.
٥ - ومنها -وهو الأظهر والأصح-: أنه ﷺ بال قائمًا لبيان الجواز، وكان أكثر أحواله ﷺ البول عن قعود (^٥).
رابعًا: بقي أن أقول: إن تعظيم النبي ﷺ إلى حدٍّ يخرجه عن بشريته هو من الغلوّ المحرَّم والإطراء
(^١) قال الخطابي: «والثابت عن رسول الله ﷺ والمعتاد من فعله البول قاعدًا». أعلام الحديث "شرح صحيح البخاري" للخطابي (١/ ٢٨٠).
(^٢) سنن ابن ماجة وسنن الترمذي وسنن النسائي، وصححه الألباني. وقد تقدم.
(^٣) وهو: عن أبي هريرة ﵁: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَالَ قَائِمًا مِنْ جُرْحٍ كَانَ بِمَأْبِضِهِ). المستدرك للحاكم، كتاب الطهارة (١/ ٢٩٠)، رقم (٦٤٥)، والسنن الكبرى للبيهقي، كتاب الطهارة، أبواب الاستطابة، باب البول قائمًا (١/ ١٦٤)، رقم (٤٨٩). وقال الألباني: «ضعيف». إرواء الغليل للألباني (١/ ٩٦)، رقم (٥٨).
(^٤) قال ابن حبان: «عدم السبب في هذا الفعل هو: عدم الإمكان، وذاك: أن المصطفى ﷺ أتى السباطة -وهي المزبلة-، فأراد أن يبول فلم يتهيأ له الإمكان؛ لأن المرء إذا قعد يبول على شيء مرتفع عنه ربما تفشى البول فرجع إليه، فمن أجل عدم إمكانه من القعود لحاجة بال ﷺ قائمًا». صحيح ابن حبان (٤/ ٢٧٤).
وقال الخطابي: «السبب في بوله قائمًا: أنه قد أعجله البول ولم يجد للقعود موضعًا؛ إذ كان ما يليه من طرف السباطة مرتفعا عاليًا». أعلام الحديث "شرح صحيح البخاري" للخطابي (١/ ٢٧٨).
(^٥) شرح صحيح مسلم للنووي (٢/ ١٦٥ - ١٦٦)، وفتح الباري لابن حجر (١/ ٣٣٠).
1 / 243