حدث هذا في القرون الوسطى، فلما بدأت النهضة العلمية، نزعت أوروبا إلى درس الحضارة الإغريقية، فأهملت الشرق، وأصبحت مقاييس الأدب الإغريقي القديم هي السائدة في أوروبا في عصر النهضة، ومن ثم تغلبت النزعة التقليدية القديمة في الأدب على النزعة الخيالية الجديدة بعض الزمن غير أن النزعة الخيالية الجديدة، وهي نزعة شعبية خالصة، لم تخمد تماما ، ولكنها كانت تحاول الظهور من حين إلى آخر، وهذه القصة الرومانتية الفرنسية، والفولكلور الألمانية، والدراما الإنجليزية، التي فشت في القرن السابع عشر، كانت من آثار النزعة الخيالية التي بدأت في القرون الوسطى، والتي حاولت النهضة العلمية أن تقتلها فلم تفلح، ثم كان القرن الثامن عشر، فتم النصر للأدب الخيالي.
وقد كانت قصص ألف ليلة - التى ترجمت سنة 1704- أقوى عامل على هذا النصر، فقد أقبلت الجماهير على قراءتها في شعف شديد وراح الكتاب يقلدونها في قصصهم.
ويرجع نجاح كتاب ألف ليلة إلى حالة الأدب الإنجليزي والأدب الفرنسي في القرن الثامن عشر، فإن انتشار القراءة قد أنشأ جمهورا جديدا من القراء لم يكن الكتاب يحسبون له حسابا من قبل، وهذا الجمهور الجديد كانت له مطالب وحاجات جديدة؛ فأخذ الكتاب يحاولون أرضاءه واشباع حاجاته.
ولكنهم كانوا في حيرة شديدة، يتحسسون طريقهم إلى معرفة حاجات الجمهور فلا يكادون يصلون إليها، فلما ظهرت قصص ألف ليلة، ورأى الكتاب إقبال الجمهور الغربي عليها ذلك الإقبال الشديد، تنبهوا لهذه الظاهرة الجديدة وأخذوا يدرسونها لعلهم يقفون على السر في شغف الجمهور الأوروبي بذلك الأثر الشرقي الطارئ، فتبين لهم بعد طول التمحيص أن قصص ألف ليلة وليلة، وإن تنقصها مقومات العمل الفني الكامل، إلا إنها تنفرد بخاصة من أهم الخواص التي تحبب الجماهير في القصص، هي روح المجازفة والاقتحام، فعمل الكتاب على إدخال هذا العنصر الجديد في قصصهم، ومن هنا كانت قصة روبنسن كروزو، وأسفار جوليفر، وما إليها من القصص التي ما كانت تظهر لولا قصص ألف ليلة.
أما في القرن التاسع عشر فقد تأثر الأدب الألماني إلى حد كبير بالآداب العربية والفارسية والهندية، وكان «جوته» يستلهم روح الشرق في كثير من قصصه التي مزجها بالخيال الشرقي، و«هيني» الذي لم يسلم الأدب الشرقي من سخريته اللاذعة، لم تخل قصائده الغنائية من روح الشرق.
وقد كان «شوبنهور» يتوقع اشتداد النزعة نحو الأدب الشرقي، وامتدادها من ألمانيا إلى فرنسا وإنجلترا، ولكن حدث ما لم يكن في حسبانه، فقد وقفت الآداب الفرنسية والإنجليزية في وجه تلك الحركة، فقضت عليها، ذلك أن العقل الغربي تحول فجأة عن الشرق، فقد انصرف عنه إلى فلاسفته الجدد، وما ظهر وقتئذ من أفكار سياسية جديدة، ومخترعات جديدة، وتطور صناعي سريع، فلم يكن في حالة تسمح له بالالتفات نحو الشرق فضلا عن الانكباب على دراسته.
وقد كان «جوته» يحلم بجعل الأدب الألماني أدبا إنسانيا عالميا، فتحطم هذا الحلم الجميل بظهور الحركات القومية واشتداد النعرة الوطنية، ومع ذلك لا يمكننا تجاهل مكان الأدب الشرقي من الآداب الغربية في جميع العصور.
وقد يظهر لنا لأول وهلة أنه مكان ضيئل، ولكننا إذا لاحظنا أن الأدب الشرقي لم يكن إلا بمثابة الخميرة للنزعات الأدبية الجديدة في أوروبا، أدركنا مبلغ ما كان له من أثر في تكييف الأدب الغربي وتوجيهه، ويكفي أن نقول إن الشرق كان كلما اتصل بالغرب عمل على تحرير الخيال الغربي من القيود، وتخليصه من كابوس الأدب التقليدي القديم.
فأثر الأدب الغربي في الغرب ليس أثرا عاديا ملموسا يمكن إدراكه في سهولة ويسر، وإنما هو أثر معنوي، إن صح هذا التعبير؛ لأنه في حقيقة الأمر لم ينقل إلى الغرب نماذج أو أساليب أدبية معينة، وإنما نقل إليه روح الشرق، فكان أثره في بواعث الأدب وغاياته أكثر مما كان في أساليبه وأشكاله الظاهرة، ثم يجب أن نذكر أن الغرب لم يأخذ عن الشرق نزعات أدبية جديدة لم يكن له بها عهد من قبل، فإن البذور كانت موجودة في الغرب، ولكنها كانت في حاجة إلى حافز يحفزها حتى تنمو وتترعرع، فكان الروح الخيالي الشرقي هو الحافز المنشود، ومن هنا يصعب على الباحث أن يميز بين عناصر الأدب العربي التي طرأت على الأدب الغربي في مختلف العصور؛ لأن تلك العناصر قد اندمجت في الآداب الغربية اندماجا تاما، وطغت عليها الألوان المحلية فغمرتها.
العرب أصل النزعة العلمية
Halaman tidak diketahui