Teka-Teki Ishtar
لغز عشتار: الألوهة المؤنثة وأصل الدين والأسطورة
Genre-genre
على أن ما غفل عنه باخوفن في تحليله هذا هو أن الرومان في قمة صراعهم مع هانيبعل، عندما كان القائد السوري يقرع الأبواب، لم يستنجدوا إلا بالأم الشرقية الكبرى، حيث بعثوا رسلا رسميين إلى فرجيا بآسيا الصغرى؛ لجلب حجر الإلهة «سيبيل» الأسود، ونصبه في روما لاستجلاب بركتها. (1) سيبيل وآتيس
دخلت سيبيل روما تحت اسم «ماجنا-ماتر» أي: الأم الكبرى، وذلك عام 204 قبل الميلاد، عندما كانت الجيوش الفينيقية تتقدم نحو روما لحسم المعركة على الأرض الإيطالية. وكان ذلك إثر نبوءة لإحدى العرافات جاء فيها أن نصر روما سيتحقق بوجود الأم الكبرى بينهم. وقد أوفد مجلس الشيوخ رسلا رسميين إلى فرجيا، فجاءوا بحجر الإلهة سيبيل الأسود، الذي يعتبره الفرجيون عرش الإلهة المقدس، ونصبوه في احتفال رسمي وشعبي كبير فوق قمة البالنتين حيث معبد النصر. وبعد ذلك بأقل من عامين انسحب هانيبعل من إيطاليا، فبنى الرومان لسيبيل معبدا خاصا، وانتشرت عبادتها مع حبيبها آتيس في جميع أنحاء البلاد مع مطلع العصر الإمبراطوري.
98
وقد لمس الرومان بركة الأم الكبرى منذ العام الأول لإقامتها بينهم؛ إذ فاضت مواسم ذلك العام بخيرات لم تشهد لها البلاد مثيلا منذ زمن بعيد. أما القائد القرطاجي المتراجع فقد وقف على الشاطئ الإيطالي، قبل صعوده في آخر سفينة مغادرة، ليلقي نظرة أخيرة على الأرض التي كانت مسرحا لأحلامه، وهو لا يدري أن روما العظيمة، التي دحرت المد الشرقي العسكري، قد فتحت أبوابها لغزو شرقي من نوع آخر، غزو ديني اكتسبها دون قتال،
99
ابتدأ بالأم الكبرى سيبيل وابنها آتيس القتيل، وانتهى بانتصار آخر مؤزر للشرق على الغرب، على يد الأم الكبرى مريم العذراء وابنها يسوع المسيح بعد بضع مئات من السنين.
يبدو آتيس في الأسطورة ابنا لسيبيل تارة، وحبيبها تارة أخرى. وتحكي رواية مولده أن أمه العذراء قد حملت به بعد أن احتضنت غصنا من أغصان شجر اللوز أو شجر الرمان. وعندما شب الإله الصغير وصار فتى وسيم الطلعة، لم يستمتع بشبابه طويلا؛ إذ إن حياته قد انقضت بميتة عنيفة، عندما خصى نفسه تحت شجرة الصنوبر ونزف حتى الموت، ومن دمائه التي سقت التربة نبتت أزهار البنفسج. ويقال إن الإله بعد ذلك تحول إلى شجرة صنوبر، وفي رواية أخرى: يموت آتيس نفس الميتة التي سبقه إليها أدونيس؛ إذ يفترسه الخنزير البري. ولذلك يمتنع عباد آتيس، شأنهم في ذلك شأن عباد أدونيس، عن أكل لحم الخنزير. أما عن طقوس آتيس فكانت تقام في عيده السنوي يوم الثاني والعشرين من آذار. تبدأ الاحتفالات في اليوم الأول بأن يمضي إلى الغابة فريق من المحتفلين، فيقتطع شجرة صنوبر يلفها بالقماش الأبيض كما تلف الجثة، ويزينها بأزهار البنفسج التي انبعثت من جراح الإله القتيل، ثم تعلق إلى وسطها صورة لآتيس الشاب، وتحمل إلى معبد سيبيل حيث تنصب هناك. وفي اليوم الثاني تنطلق الأبواق من معبد الإلهة ومن شتى أنحاء المدينة، تعزف الأنغام الحزينة التي تنعي موت الإله. أما انفجار الحزن في شكله الدرامي العنيف فيتم في اليوم الثالث الذي يدعى بيوم الدم، حيث يبدأ كبير الكهنة بإحداث جرح كبير في ذراعه يندفع منه الدم على شكل نافورة غزيرة، ثم يندفع بقية الكهنة إلى الحلبة في رقص مجنون على أنغام آلات النفخ المختلفة، إلى أن يتوصلوا إلى حالة من الوجد يفقدون معها الإحساس، فيأخذون بتجريح أنفسهم بقطع من الزجاج والخزف أو الموسى، ويغسلون بدمائهم مذبح الإلهة وصورة الإله القتيل. بعد ذلك تبدأ طقوس الخصاء حيث يتقدم الكهنة الجدد لتقديم ذكورتهم على مذبح سيبيل، مما تحدثنا عنه في مكان سابق من هذا الكتاب. وفي مساء هذا اليوم يتحول حزن العباد إلى فرح غامر، فلقد فتح غطاء القبر وبعث آتيس من بين الأموات. وفي اليوم الرابع للاحتفال، الذي كان يعتبر موعدا للانقلاب الربيعي، ينهي العباد صومهم عن الخبز الذي بدءوه في اليوم الأول؛ اقتداء بسيبيل التي صامت عنه حزنا على زوجها الغائب. وتشهد المدينة احتفالات وكرنفالات بهيجة يشترك فيها أهل روما من كل الطبقات ويبيحون لأنفسهم كل ممنوع. وينتهي العيد بأن يحمل الكهنة على عربة خاصة تمثالا للإلهة، مصنوعا من فضة ورأسه من حجر أسود، فيسيرون به في موكب يتقدمه نبلاء القوم حفاة الأقدام، فيصلون إلى النهر ويغسلون العربة والتمثال بالماء، ثم يعودون بالعربة وقد زينوها بكل نوع من أزهار الربيع.
100
لا تقدم لنا أسطورة آتيس وطقوسه كثيرا من الأشياء الجديدة على الأرضية التي صارت مألوفة لدينا تماما. فالعذراء تحمل بقواها الإخصابية الخاصة دون معونة من ذكر، وليست الإشارة إلى احتضانها غصنا من شجر الرمان إلا تعبيرا، باللغة السرية للأسطورة، عن إخصاب الأم نفسها بنفسها باحتضان رمز من رموزها. وكهنة سيبيل الخصيان وطقوس الخصاء في أعيادها، تذكرنا بكهنة عستارت الكنعانية وطقوس الخصاء في معابدها. ومن الملفت للنظر أن نجد ذكرا لعستارت وكهنتها الخصيان وطقوسها، في كتاب مشهور لكاتب روماني عاش في أواخر القرن الثاني بعد الميلاد، وهي الفترة التي ثبتت فيها المسيحية أقدامها في كل من سوريا وروما. والكتاب لا يشير إلى الإلهة بالاسم، وإنما يدعوها باسم «الإلهة السورية» ففي كتابه
The Golden Ass
Halaman tidak diketahui