وبقي أن نعرف كيف انفردت اللغة العربية بهذه المزية النادرة؟ هل هي مزية من مزايا المصادفة لا تعرف لها علة طبيعية؟ أو هي نتيجة من نتائج التطور الطبيعي، أو نتائج الاختيار بين الأفصح من اللهجات وبين اللهجات التي دونها في الفصاحة على ألسنة المتكلمين بلغة واحدة؟
إن تعليل هذه الفصاحة بالتطور الطبيعي كاف لتفسير هذه الظاهرة في اللغة العربية، فإن لهجات النطق بالحروف العربية إنما هي لهجات قبائل متعددة تنطق بلسان واحد، وتتهيأ أسباب الانتخاب الطبيعي في هذا اللسان لتتابع الاتصال بين الناطقين به من أبناء القبائل المتعددة، خلافا للأمم الأخرى التي تختلف لغاتها، وتفترق مساكنها ولا تظهر آثار التطور اللغوي عندها في بيئة واحدة تتفاهم بلسان واحد.
فلا يخفى أن جهاز النطق واحد في الناس من أبناء الأمم المختلفة، وكل ما يتفق له من العوارض الحسنة أو المعيبة يجوز أن يتفق للإنسان العربي في حالة من حالاته، وقد شوهد هذا التشابه في المخارج الصوتية بين لهجات بعض القبائل العربية، ولهجات الأمم الأخرى، ولكن الفرق في الحالتين أن لهجات النطق العربي قد اجتمعت في لسان واحد ينتهي إليه الاختيار، ويبقى فيه متداولا بين أبنائه، ولم يتفرق بين أشتات من الأمم يأخذ كل شتيت منه بنصيب غير نصيب سواه.
فاللهجات العربية وجد فيها ما وجد في أمم عدة من التباس النطق بالجيم والياء والكاف والشين والخاء والظاء والتاء وغيرها من مخارج الأصوات، التي يكتبونها أحيانا بحرف واحد، وأحيانا بحرفين أو أكثر من حرفين.
فالياء تنطق جيما في لغة فقيم، وتنطق جيما بعد العين فقط في لغة قضاعة، وقد تنطق الجيم ياء في لغة بعض القبائل على عكس لغة فقيم وقضاعة، وتبدل كاف الخطاب المؤنثة شينا وكاف المذكر سينا في لغة ربيعة، ويطرد إبدال الكاف شينا في إحدى اللهجات اليمانية.
وقد لخص الأستاذ حفني ناصف معظم الحروف التي يقع فيها اختلاف النطق في رسالته القيمة عن حياة اللغة العربية، فذكر منها حرفا بين الطاء والثاء وحرفا بين الباء والفاء، وحرفا بين الشين والجيم.
كما ذكر حروفا أخرى تتردد بين القاف والجيم والكاف، ويتشابه فيها النطق بين أبناء اللغة السامية واللغات الآرية في مواطن متفرقة لا يجمعها إقليم واحد.
وليس بالمستغرب أن يؤدي الاتصال بين البادية والحاضرة إلى تهذيب بعض الأصوات، تبعا لاختلاف لهجة الحديث في الصحراء الواسعة وفي مجالس المدينة، وقد يكون للتنقل بين رحلات الشمال، ورحلات الجنوب مثل هذا الأثر مع ما يقترن به من آثار الرخاء أو الخشونة في أطوار اللهجة الواحدة، ثم يؤدي ذلك مع الزمن إلى اصطفاء لهجة واحدة مفضلة تكون لها الغلبة على سائر اللهجات، وتعم هذه اللهجة بعد ذلك إذا اشترك الناطقون باللغة جميعا في حفظها وترديدها، وقد حدث ذلك في اللغة العربية خاصة على نحو لا يتفق لغيرها في الزمن القديم والحديث، فأصبح اللسان العربي المبين لسانا واحدا، لكل من يحفظ القرآن الكريم أو يتلوه.
ولا ننسى أن العرب تباينوا أول ما تباينوا بنطق بعض الحروف كما تقدم، ولكنهم اتفقوا جميعا في خاصة واحدة من خواص جهاز النطق، وهي استخدام أصوات الحلق التي أهملت جميعا في كثير من اللغات، ويعلل بعضهم ذلك بعلة الجو والمناخ، حيث يتيسر للعربي أن يفتح صدره للهواء، ولا يتيسر ذلك لأبناء البلاد الباردة، وحيث يحتاج العربي إلى النداء في الصحراء، ولا يحتاج إليه سكان المدن والأودية المتجاورة، ومنهم من يحسب أن بعض مخارج الأصوات التي تشبه القاف والخاء والعين مألوفة في مسامع الرعاة، الذين استمعوا طويلا إلى أصوات الإبل والضأن، وأصوات السباع في الفلوات، وهو تعليل يقال ولا نظنه يفسر انفراد اللغة العربية ببعض الحروف التي لم ينطق بها الرعاة والمستمعون بجوار الفلاة إلى أصوات السباع. •••
وإن هذه التعليلات لتذهب مذاهبها من الظن المقبول أو المردود، ولكنها تنتهي إلى حقيقة تعلو على الظن، وهي أن النطق الفصيح فضيلة الحيوان الناطق، وأن الفصاحة العربية قد بلغت بأداة النطق الآدمية غاية ما بلغه الإنسان المعبر عن ذات نفسه بالكلمات والحروف.
Halaman tidak diketahui