رسائل السنة والشيعة لرشيد رضا
رسائل السنة والشيعة لرشيد رضا
Penerbit
دار المنار
Nombor Edisi
الثانية
Tahun Penerbitan
١٣٦٦ هـ - ١٩٤٧ م
Lokasi Penerbit
القاهرة
Genre-genre
لاستوجب إفراد مجلد كبير، والمنكر لذلك كالمنكر للشمس رأد الضحى.
***
بغض الروافض لبعض أهل البيت
وأعجب من ذلك دعوى الرافضي حب أهل البيت والعمل بعلومهم والأخذ بالكتاب والسنة.
إن الروافض كاليهود يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض؛ وذلك لأن العترة بإجماع أهل اللغة تقال لأقارب الرجل. (١)
وهم ينكرون نسب بعض العترة كرقية وأم كلثوم ابنتي رسول الله ﷺ. (٢)
ولا يعدون بعضهم داخلًا فيها كالعباس عم رسول الله ﷺ وجميع أولاده (٣)، وكالزبير ابن صفية عمة رسول الله ﷺ. (٤)
ويبغضون كثيرًا من أولاد فاطمة ﵄ بل يسبونهم كزيد بن علي بن الحسين وقد كان في العلم والزهد على جانب عظيم (٥)
، وكذا يحيى ابنه فإنهم أيضًا يبغضونه، وكذا إبراهيم (٦)
وجعفر ابنا موسى الكاظم ﵃ (٧)، وقد لقبوا الثاني بالكذاب مع أنه كان
_________
(١) اينظر لسان العرب، مادة عتر: ٤/٥٣٨.
وأما لشيعة الاثني عشرية يفرقون بين أهل البيت وآل البيت والعترة ويختلفون في كل ذلك اختلافا كثيرا، فالمفيد بنص في كتابه " الثقلان " ص١٠ - ١٢ على أن المراد بالعترة: بنو هاشم بإجماع الشيعة، ويؤكد ذلك بقوله: «لو كان المراد بالعترة الذرية دون الأخوة والعمومة وبني العم لخرج أمير المؤمنين من العترة لخروجه من جملة الذرية، وهذا باطل بالاتفاق»، وبعضهم يقول إن العترة هم أولاد فاطمة ﵂ وبعضهم يقصرها على الحسن والحسين ﵄ خاصة.
(٢) أول من اشتهر عنه القول بنفي بنوة بنات النبي ﷺ هو أبو القاسم الكوفي (ت ٣٥٢ هـ) في كتابه "الاستغاثة من بدع الثلاثة " لينفي عن عثمان ﵁ منقبة تزوجه ببنتي رسول الله ﷺ، وقد تلقف هذه الدعوى منه بعض المتأخرين كنعمنة الله الجزائري وصار هو قول عامة الاثنا عشرية الذي لا يعرف حتى عوامهم غيره كما نسمع ونرى. وقد تصدى للرد على هذه الدعوى فأجاد وأفاد أبو معاذ السيد بن أحمد في كتاب " زينب ورقية وأم كلثوم بنات النبي ﷺ لا ربائبه " وهو من مطبوعات مبرة الآل والأصحاب في دولة الكويت جزى الله القائمين عليها خير الجزاء.
(٣) وقد أورد الكشي في رجاله ص ٥٢ - ٥٤ عدة روايات تطعن في عم رسول الله ﷺ وفي أولاده، منها: تحت عنوان دعاء علي على عبد الله وعبيد الله ابني عباس عن أمير المؤمنين قال: «اللهم العن ابني فلان - يعني عبد الله وعبيد الله كما في الهامش - وأعم أبصارهما كما أعميت قلوبهما الأجلين في رقبتي، واجعل عمى أبصارهما دليلًا على عمى قلوبهما»، وقال: «ولم يبق معي من أهل بيتي أحد أطول به وأقوى، أما حمزة فقتل يوم أحد، وجعفر قتل يوم مؤتة، وبقيت بين خلفين خائفين ذليلين حقيرين، العباس وعقيل» وهذه الرواية في "الأنوار النعمانية للجزائري، "مجالس المؤمنين" ص٧٨ ط إيران القديم ". ...
ويروي الكشي أيضًا عن علي بن الحسين أنه قرأ: «﴿من كان في هذا أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا﴾، نزلت في العباس عم النبي ﷺ)، وأن الآية في قوله تعالى «﴿لبئس المولى ولبئس العشير﴾: نزلت فيه» . وانظر: الشيعة وأهل البيت ص٢٦٧.
(٤) انظر: اللوحة المصورة والمُلحقة في آخر الكتاب بعنوان الزبير في بيت النبوة.
(٥) من هذه الطعون رد الطوسي روايات زيد بن علي بن الحسين كما في الاستبصار: ١/٦٦، كما كفروا كل من خرج وادعى الإمامة من آل البيت (ما عدا الأئمة الاثني عشر عندهم) . (أصول الكافي: ١/٣٧٢ رقم ١، ٣) .
وفي بحار الأنوار ٤٦ / ١٩٤ عن حنان بن سدير قال: «كنت جالسًا عند الحسن بن الحسين فجاء سعيد بن منصور وكان من رؤساء الزيدية فقال: ما ترى في النبيذ فإن زيدًا كان يشربه عندنا؟ قال: ما أصدق على زيد أنه شرب مسكرًا. قال: بلى قد يشربه. قال: فإن كان فعل فإن زيدا ليس بنبي ولا وصي نبي إنما هو رجل من آل محمد يخطىء ويصيب» . نقلًا عن رجال الكشي ص ١٥١.
وزيد لما خرج في ثورته خرج منكرًا وغير مؤمن بوجود نص على إمام مفترض الطاعة، ودونك هذه الرواية - التي صحح المجلسي سندها - من كتب الاثنا عشرية تؤكد ذلك:
«قيل لمؤمن الطاق: ما الذي جرى بينك وبين زيد بن علي في محضر أبي عبد الله؟ قال: قال زيد بن علي: يا محمد بن علي، بلغني أنك تزعم أن في آل محمد إمامًا مفترض الطاعة؟ قال: قلت: نعم، وكان أبوك علي بن الحسين أحدهم، فقال: وكيف وقد كان يؤتي بلقمة وهي حارة فيبردها بيده ثم يلقمنيها، أفترى أنه كان يشفق عليَّ من حرِّ اللقمة ولا يشفق علي من حر النار» .
وفي رواية: قال زيد: «ويحك! فما كان يمنعه من أن يقول لي؟! فوالله لقد كان يؤتى بالطعام الحار فيقعدني على فخذه ويتناول البضعة فيبردها ثم يلقمنيها، أفتراه كان يشفق عليِّ من حرِّ الطعام ولا يشفق عليِّ من حرِّ النار» .
ثم يكمل الرواية بردٍّ باهت على كلام زيد ﵀، فيقول مؤمن الطاق - كما يسميه الاثنا عشرية - معللا عدم إخبار علي بن الحسين ولده زيدًا بذلك النص لخشيته عليه من عدم القبول وأنه إن لم يقبل النص فسيدخل النار والعياذ بالله فيقول: «خاف عليك ألا تقبل فتدخل النار، وأخبرني أنا فإن قبلت نجوت، وإن لم أقبل لم يبال أن أدخل النار» .
وهذا الكلام باطل، إذ يلزم من هذا ألا يخبر بقية أهل البيت أولادهم ولا أعمامهم ولا أخوالهم ولا باقي أقاربهم بأصل من أصول الدين - يفوق النبوة من حيث المنزلة وإنكاره شر من نكار النبوة كما يقول الحلي- خشية ألا يقبلوا فيدخلون النار! وهكذا لا ينتهي هذا المسلسل من الطعن في آل بيت النبي ﷺ!
ثم يذكر مؤمن الطاق أنه استدل على جواز كتمان ذلك بقوله: «قال يعقوب ليوسف ﵉: ﴿يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدًا﴾ لم يخبرهم حتى لا يكيدونه ولكن كتمهم ذلك، فكذا أبوك كتمك لأنه خافَ عليك، يعني: أن لا تقبل وتدخل النار» .
أقول: إن جواب مؤمن الطاق - كما يسيه الاثنا عشرية - من خلال هذه المقارنة لهو من أعجب ما يكون من المغالطة، بل إن هذه المقارنة - والتي لا تصدر إلا عن قاصر في العلم، ولا تروج إلا على جاهل - وانقطاع زيد عن الجواب هو بحد ذاته طعن في زيد وفي علمه؛ إذ كيف يقارن كتمان أصل من أصول الدين يفوق النبوة من حيث المنزلة - بل ويفوق إنكاره إنكار النبوة كما يقول العلامة الحلي في الألفين (١ / ٣) - بكتمان تلك الرؤيا من يوسف ﵇ التي لا يعتبر العلم بها من أصول الدين؟! والأدهى من ذلك والأَمَر - في حق زيد بن علي - هو انقطاع زيد وعجزه عن الجواب عليه كما أشارت إليه الرواية في الكافي للكليني (١ / ١٧٤)، والله المستعان.
ولما رد الأميني على المؤلف في موقف الاثنا عشرية من زيد ﵀ أعرض عن كل ما سبق وعن غيره، واستشهد بروايات تثبت لزيد ﵀ منزلة عظيمة تناقض ما سبق من الطعن، إلا أن تلك الروايات التي أوردها الأميني حول الموضوع تثير تساؤلات تأخذ من القارئ مأخذا: وهو: كيف لرجل مثل زيد بن علي ﵀ وهو بهذه المنزلة العظيمة أن يدعي الإمامة وهو من أهل البيت، وابن إمام من الأئمة الاثني عشر الذين نصَّ الله ﷿ ورسوله ﷺ عليهم بأسمائهم بزعم القوم، ومع ذلك يطالب بالإمامة ويسعى لها، ولذلك قال له مؤمن الطاق - كما يروي الاثنا عشرية -: «إن كان لله ﷿ في الأرض معك حجة فالمتخلف عنك ناج، والخارج معك هالك»، وقال أبو خالد القماط لأحد الزيدية: «إن كان أحد في الارض مفروض الطاعة، فالخارج قِبَلَه - يعني زيدًا - هالك» وأقرهما جعفر الصادق جميعًا على ذلك. انظر: رجال الكشي ص ٢٥٩، وبحار الأنوار (٤٢ / ١٩٧) .
ولاشك أن أول ما سيحتج به القوم هو القول بالتقية، ولن نناقش القوم في هذا، ولكن من أولى بالتقية: أهو زيد ﵀ الذي لا يملك اختيار موته، وليس مأمورًا بما أمر الله ﷿ الصادق به -كما يزعم القوم- أم الصادق؟
(٦) نقل الأميني في رده على المؤلف روايات تثنى على إبراهيم بن جعفر، ولكنه أعرض عما نُسب إليه من قولُه بالوقف في إمامة أخيه وحسده له والاعتقاد بأن والده حي لم يمت، فروى الشيخ الصدوق في (عيون أخبار الرضا ﵇ بإسناده عن بكر بن صالح، قال: قلتُ لإبراهيم بن أبي الحسن موسى بن جعفر ﵇: ما قولُك في أبيك؟ قال: هو حيّ. قلتُ: فما قولك في أخيك أبي الحسن؟
قال: هو ثقة صدوق. قلتُ: فإنّه يقول إنّ أباك قد مضى. قال: هو أعلم بما يقول. فأعَدتُ عليه فأعاد عليّ. قلتُ: فأوصى أبوك؟ قال: نعم. قلت: إلى مَن أوصى؟ قال: إلى خمسةٍ منّا، وجعل عليًّا المتقدّمَ علينا. عيون أخبار الرضا (١ / ٣٩ - ٤٠) . ... ... ... ... ... ... ... ... ...
وروى الكُليني في الكافي (١ / ٣٨٠ - ٣٨١) بإسناده عن عليّ بن أسباط قال: قلت للرضا ﵇: إنّ رجلًا عنّى أخاك إبراهيم، فذكر له أنّ أباك في الحياة، وأنّك تعلم من ذلك ما يعلم. فقال: سُبحان الله! يموت رسولُ الله صلّى الله عليه وآله ولا يموت موسى ﵇؟! قد - واللهِ - مضى كما مضى رسول الله صلّى الله عليه وآله، ولكنّ الله ﵎ لم يَزَل منذ قَبضَ نبيّه صلّى الله عليه وآله هلمّ جرًّا يَمُنّ بهذا الدين على أولاد الأعاجم ويصرفه عن قرابة نبيّه صلّى الله عليه وآله هلمّ جرًّا، فيُعطي هؤلاء ويمنع هؤلاء. لقد قضيتُ عنه (أي عن إبراهيم) في هلال ذي الحجّة ألف دينار بعد أن أشفى على طلاق نسائه وعِتق مماليكه، ولكنْ قد سمعتَ ما لقَي يوسف ﵇ من إخوته.
وفي الحديث الأخير تعريض واضح بإبراهيم بن موسى، وعتب من الإمام الرضا ﵇ على إبراهيم وإخوته، وأنّه لقي منهم من الحسد ما لقيه يوسف ﵇ من إخوته.
(٧) ونقلوا عن الكاظم أنه قال في حق أخيه عبد الله: «يريد عبد الله أن لا يعبد الله» . انظر: رجال الكشي (١٨٢)، البحار الأنوار (٤٧/٢٦٣، ٣٤٣) .
1 / 55