Lawamic Anwar
لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية
Penerbit
مؤسسة الخافقين ومكتبتها
Edisi
الثانية
Tahun Penerbitan
1402 AH
Lokasi Penerbit
دمشق
فِي قَوْلِهِ إِنَّ نُبُوَّةَ النَّبِيِّ أَفْضَلُ مِنْ رِسَالَتِهِ لِقَصْرِهَا عَلَى الْحَقِّ تَعَالَى، إِذْ هِيَ الْإِيحَاءُ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِالْبَارِي - جَلَّ شَأْنُهُ - مِنْ غَيْرِ ارْتِبَاطٍ لَهُ بِالْخَلْقِ، أَمَّا مَعَ تَعَدُّدِ الْمَحَلِّ فَلَا خِلَافَ فِي أَفْضَلِيَّةِ الرِّسَالَةِ عَلَى النُّبُوَّةِ ضَرُورَةَ جَمْعِ الرِّسَالَةِ لَهَا مَعَ زِيَادَةٍ عَلَى أَنَّ الصَّحِيحَ الْمُعْتَمَدَ أَفْضَلِيَّةُ الرِّسَالَةِ مُطْلَقًا، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
«ثُمَّ» الْأَفْضَلُ بَعْدَ الرُّسُلِ الْكِرَامِ «الْأَنْبِيَاءُ» - عَلَيْهِمْ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ - وَهُمْ مُتَفَاوِتُونَ فِي الْفَضِيلَةِ، فَبَعْضُهُمْ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣] فَهَذَا وَاجِبُ الِاعْتِقَادِ تَفْصِيلًا فِيمَنْ عُلِمَ مِنْهُمْ وَعُلِمَ حُكْمُهُ تَفْصِيلًا وَلَوْ بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ صَحِيحٍ، وَإِجْمَالًا فِيمَا عُلِمَ مِنْهُمْ وَعُلِمَ حُكْمُهُ إِجْمَالًا، وَلِهَذَا قَالَ: «بِالْجَزْمِ» السَّدِيدِ وَالْقَطْعِ الْمُفِيدِ لِلْحُكْمِ الْمَذْكُورِ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ وَلَا تَرْدِيدٍ حَسْبَمَا تَقَدَّمَ عَلَى النَّهْجِ السَّدِيدِ الْأَقْوَمِ، وَعُلِمَ مِمَّا ذُكِرَ وَلَا سِيَّمَا مِنْ قَوْلِهِ بِالْجَزْمِ رَدُّ زَعْمِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْوَلِيَّ قَدْ يَبْلُغُ دَرَجَةَ النَّبِيِّ كَمَا يُحْكَى عَنِ الْكَرَّامِيَّةِ، بَلْ زَعَمَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ أَنَّ الْوِلَايَةَ أَفْضَلُ مِنَ النُّبُوَّةِ، قَالُوا: لِأَنَّهَا تُنْبِئُ عَنِ الْقُرْبِ وَالْكَرَامَةِ كَمَا هُوَ شَأْنُ خَوَاصِّ الْمَلِكِ وَالْمُقَرَّبِينَ مِنْهُ، وَالنُّبُوَّةُ عَنِ الْإِنْبَاءِ وَالتَّبْلِيغِ، كَمَا هُوَ حَالُ مَنْ أَرْسَلَهُ الْمَلِكُ إِلَى الرَّعَايَا لِتَبْلِيغِ الْأَحْكَامِ، قَالُوا: إِلَّا أَنَّ الْوَلِيَّ لَا يَبْلُغُ دَرَجَةَ النَّبِيِّ بِخِلَافِ الْعَكْسِ، لِأَنَّ نُبُوَّةَ النَّبِيِّ لَا تَكُونُ بِدُونِ الْوِلَايَةِ.
وَقَدْ شَنَّعَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ عَلَى مَنْ يَزْعُمُ ذَلِكَ فِي مَحِلَّاتٍ مِنْ كُتُبِهِ وَقَالَ: إِنَّ ذَلِكَ مُخَالِفٌ لِدِينِ الْإِسْلَامِ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَقَالَ فِي جَوَابِ الْمَسَائِلِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ بَعْدَ مَا ذَكَرَ شَنِيعَ مَقَالَاتِهِمْ وَزَيْفَ تُرَّهَاتِهِمْ: وَلِهَذَا يَقُولُونَ: إِنَّ الْوِلَايَةَ أَعْظَمُ مِنَ النُّبُوَّةِ، وَالنُّبُوَّةَ أَعْظَمُ مِنَ الرِّسَالَةِ وَيُنْشِدُونَ:
مَقَامُ النُّبُوَّةِ فِي بَرْزَخٍ ... فُوَيْقَ الرَّسُولِ وَدُونَ الْوَلِي
وَيَقُولُونَ: إِنَّ وِلَايَةَ النَّبِيِّ أَعْظَمُ مِنْ نُبُوَّتِهِ، وَنُبُوَّتُهُ أَعْظَمُ مِنْ رِسَالَتِهِ، ثُمَّ قَدْ يَدَّعِي أَحَدُهُمْ أَنَّ وِلَايَتَهُ وَوِلَايَةَ سَائِرِ الْأَوْلِيَاءِ تَابِعَةٌ لِوِلَايَةِ خَاتَمِ الْأَوْلِيَاءِ، وَأَنَّ جَمِيعَ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ مِنْ حَيْثُ وِلَايَتِهِمُ (الَّتِي) هِيَ أَعْظَمُ عِنْدِهِمْ مِنْ نَبُّوتِهِمْ وَرِسَالَتِهِمْ، إِنَّمَا يَسْتَفِيدُونَ الْعِلْمَ بِاللَّهِ الَّذِي هُوَ عِنْدَهُمُ الْقَوْلُ بِوَحْدَةِ الْوُجُودِ مِنْ مِشْكَاةِ خَاتَمِ الْأَوْلِيَاءِ، وَشُبْهَتُهُمْ فِي أَصْلِ ذَلِكَ أَنْ قَالُوا:
2 / 301