Lataif Macarif
لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف
Editor
طارق بن عوض الله
Penerbit
المكتب الإسلامي
Edisi
الأولى
Tahun Penerbitan
1427 AH
Lokasi Penerbit
بيروت
مقدّمة المحقّق
بسم الله الرّحمن الرّحيم إنّ الحمد لله تعالى نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾
[آل عمران: ١٠٢]
﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيرًا وَنِساءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾
[النّساء: ١]
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١].
أما بعد:
فإنّ خير الكلام كلام الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشرّ الأمور محدثاتها، وكلّ بدعة ضلالة.
اللهمّ صلّ على محمّد، وعلى أهل بيته، وعلى أزواجه وذرّيته، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنّك حميد مجيد.
1 / 5
فبين يديك، - أخي الكريم - درّة من درر الإمام الحافظ الفقيه زين الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الرحمن المعروف ب «ابن رجب» الدمشقي الحنبلي، مما جاد به قلمه، وفاض به علمه.
وهو ذاك الكتاب الحافل «لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف»، الذي لا يستغني عنه سالك طريق رب العباد، متزودا للمعاد، متأهبا للموت قبل قدومه والاستعداد؛ أو منتصب للوعظ والإرشاد، آخذ بأيدي الناس إلى خير زاد، موقظ لهم من الغفلة والسّهاد، هاد لهم إلى جنّة الله ورضوانه سالكا طريق خير هاد ﷺ.
ولأجل هذا؛ سلك مؤلّفه فيه طريقا واضحة، وجادّة سويّة، حيث إنه جمع فيه بين الصناعة الحديثيّة؛ لتكون مواعظه قائمة على أسس صحيحة، لا كحال أغلب الوعّاظ الذين يملئون مواعظهم بالغثّ والسّمين والطّيب والخبيث، وبين الصناعة الفقهيّة، والتي ينبني عليها العمل الذي هو المقصود من العلم، فإن العمل إذا لم يكن قائما على علم سليم وفهم مستقيم، كان عملا مردودا على وجه صاحبه غير مقبول منه، كما قال النبي ﷺ: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا، فهو ردّ»؛ بل يكون - والحالة هذه - بدعة وضلالة؛ والعياذ بالله.
ومع ذلك؛ فلم يخل المؤلف الكتاب من العبارات الوعظيّة، المصحوبة أحيانا بالسجع غير المتكلّف، والذي هو - بلا شكّ - يكون له تأثير في تحريك القلوب واستدرار العبرات، ثم حفز الهمم للعمل الذي هو الغاية من الوعظ، كما قال الله ﷿: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ
1 / 6
كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللهِ﴾ [الزّمر: ٢٣].
وقد لخّص المؤلف طريقته في الكتاب، ومسلكه فيه، ومنهجه الذي انتهجه، فقال في مقدمته:
«وقد استخرت الله ﷿ في أن أجمع في هذا الكتاب وظائف شهور السّنة وما يختصّ بالشهور ومواسمها من الطاعات، كالصّلاة، والصّيام، والذّكر، والشّكر، وبذل الطّعام، وإفشاء السّلام، وغير ذلك من خصال البررة الكرام؛ ليكون ذلك عونا لنفسي ولإخواني على التزوّد للمعاد، والتأهّب للموت قبل قدومه، والاستعداد، وأفوّض أمري إلى الله، إنّ الله بصير بالعباد.
ويكون أيضا صالحا لمن يريد الانتصاب للمواعظ من المذكّرين؛ فإنّ من أفضل الأعمال عند الله لمن أراد به وجه الله إيقاظ الراقدين، وتنبيه الغافلين؛ قال الله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذّاريات: ٥٥]، ووعد من أمر بصدقة أو معروف أو أصلح بين الناس يبتغي به وجهه، أجرا عظيما. وأخبر نبيّه ﷺ أنّ «من دعا إلى هدى فله مثل أجر من تبعه»، وكفى بذلك فضلا عميما.
وقد جعلت هذه الوظائف المتعلّقة بالشهور مجالس، مرتّبة على ترتيب شهور السّنة الهلاليّة؛ فأبدأ بالمحرّم، وأختم بذي الحجّة، وأذكر في كل شهر ما فيه من هذه الوظائف، وما لم يكن له وظيفة خاصّة لم أذكر فيه شيئا، وختمت ذلك كلّه بوظائف فصول السّنة الشّمسيّة، وهي ثلاثة
1 / 7
مجالس: في ذكر الرّبيع، والشتاء، والصيف، وختمت الكتاب كلّه بمجلس في التوبة والمبادرة بها قبل انقضاء العمر؛ فإنّ التوبة وظيفة العمر كلّه. وأبدأ قبل ذكر وظائف الشهور بمجلس في فضل التذكير بالله يتضمّن ذكر بعض ما في مجالس التذكير من الفضل».
هذا؛ وإنّي إذ أقدّم هذا الكتاب المفيد، محقّقا، موثّقا، مخدوما بتخريج أحاديثه، مذيّلا بفهارس مفيدة؛ أسأل الله تعالى أن ينفع بهذا العمل كلّ من وقف عليه، وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم، وأن يتقبّله مني بفضله ورحمته، وأن يعينني وإخواني من أهل العلم على خدمة كتب أسلافنا على النحو اللائق بها؛ إنه سبحانه نعم المولى ونعم النصير.
وصلّى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم.
وكتب
أبو معاذ
طارق بن عوض الله بن محمد
1 / 8
ترجمة ابن رجب الحنبلي
من «إنباء الغمر» لابن حجر (٣/ ١٧٥ - ١٧٦)
نسبه:
عبد الرحمن بن أحمد بن رجب البغداديّ، ثم الدمشقيّ الحنبلي الحافظ، زين الدين.
مولده:
ولد ببغداد سنة ست وثلاثين وسبعمائة.
شيوخه:
وسمع بمصر من الميدومي (^١)، وبالقاهرة من ابن الملوك (^٢)، وبدمشق من ابن الخبّاز (^٣)، وجمع جمّ.
ورافق شيخنا زين الدين العراقيّ في السماع كثيرا.
(^١) هو: صدر الدين أبو الفتح: محمد بن محمد بن إبراهيم الميدومي المتوفى سنة (٧٥٤ هـ).
(^٢) هو: ناصر الدين محمد بن إسماعيل بن عبد العزيز بن عيسى بن أبي بكر بن أيوب، ينتهي نسبه بالعادل الأيوبيّ، ويلقّب ب «ابن الملوك»، توفي سنة (٧٥٦ هـ).
(^٣) هو: المسند المعمّر: شمس الدين محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن سالم الدمشقي الأنصاري العبادي.
1 / 9
علمه:
ومهر في فنون الحديث: أسماء، ورجالا، وعللا، وطرقا، واطّلاعا على معانيه (^١).
أشهر مؤلفاته:
صنّف: «شرح الترمذي»، فأجاد فيه، في نحو عشرة أسفار (^٢).
وشرح قطعة كبيرة من البخاري (^٣).
وشرح الأربعين للنووي، في مجلد (^٣).
وعمل وظائف الأيام، سمّاه: «اللطائف» (^٤).
وعمل طبقات الحنابلة، ذيلا على طبقات أبي يعلى (^٥).
عبادته:
وكان صاحب عبادة وتهجّد.
(^١) ومما يمتاز به ابن رجب: سعة اطّلاعه على أقوال المتقدمين، وطول نفسه في الكلام على الأحاديث، عللا، ورجالا، وفقها.
(^٢) وهذا الكتاب، فقد في جملة ما فقد من الكتب في فتنة التّتر، سنة (٨٠٣ هـ)، ولم يبق سوى قطعة من كتاب اللّباس، تقع في عشر ورقات، وشرح العلل الذي في آخر «الجامع» للترمذي.
وقد طبع «شرح العلل» عدة طبعات، ومن نظر فيه علم كم خسر المسلمون بفقدان هذا الكتاب، الذي لو سلم من الضياع، لكان فيه غناء أيّ غناء عن كل الشروح التي انتهت إلينا.
(^٣) وقد طبع بتحقيقي، وهو من منشورات دار ابن الجوزي.
(^٤) وهو هذا الكتاب الذي بين يديك.
(^٥) مطبوع.
1 / 10
مذهبه:
ونقم عليه إفتاؤه بمقالات ابن تيمية، ثم أظهر الرجوع عن ذلك، فنافره التّيميون، فلم يكن مع هؤلاء، ولا مع هؤلاء. وكان قد ترك الإفتاء بأخرة (^١).
ثناء العلماء عليه:
قال ابن حجّي: أتقن الفنّ، وصار أعرف أهل عصره بالعلل، وتتبع الطرق.
أخلاقه:
وكان لا يخالط أحدا، ولا يتردد إلى أحد.
(^١) لم تكن موافقته لابن تيمية عن تعصّب له، ولا مخالفته له عن بغض ومنافرة له. وإنما هذا شأنه كشأن أيّ عالم مطّلع يتغير اجتهاده بحسب الدلائل والبراهين التي تظهر له. فهو يدور مع الدليل حيث دار، ولا بدّ لمثل هذا أن يوافق بعضا وأن يخالف بعضا، وربّما وافق في مسألة من قد خالفه في أخرى، والعكس؛ إذ ليس غرض هؤلاء العلماء الفضلاء موافقة أحد من الناس، وإنما غرضهم الوقوف على الحقّ حيث كان. والله يجزي المصيب إحسانا والمخطئ غفرانا.
وقد ترجم ابن رجب لابن تيمية في «ذيل طبقات الحنابلة» بترجمة حافلة، في عشرين صفحة (٢/ ٣٨٧ - ٤٠٨)، وهي ترجمة حافلة بالثناء والإطناب والاعتراف بمنزلة هذا الإمام، فقال في صدرها:
«الإمام الفقيه، المجتهد، المحدّث، الحافظ، المفسر، الأصولي، الزاهد، شيخ الإسلام، وعلم الأعلام، وشهرته تغني عن الإطناب في ذكره، والإسهاب في أمره». والله الهادي، لا ربّ سواه.
1 / 11
وفاته:
مات في رمضان، ﵀ (^١).
تلامذته:
تخرج به غالب أصحابنا الحنابلة بدمشق.
***
(^١) وذلك سنة (٧٩٥ هـ).
وقال ابن ناصر الدين في كتابه: «الرد الوافر» (ص ١٠٧).
«حدّثني من حضر لحد ابن رجب: أنّ الشيخ زين الدين ابن رجب جاءه قبل أن يموت بأيام. قال: فقال لي: احفر لي هنا لحدا، وأشار إلى البقعة التي دفن فيها. قال: فحفرت له، فلما فرغ نزل في القبر، واضطجع فيه، فأعجبه، وقال: هذا جيد. ثم خرج. قال: فوالله ما شعرت به بعد أيام، إلا وقد أتي به ميتا محمولا في نعشه، فوضعته في ذلك اللحد، وواريته فيه».
1 / 12
وصف النسخ الخطّيّة
اعتمدت في تحقيق هذا الكتاب على ثلاث نسخ خطيّة، ثلاثتها من محفوظات دار الكتب المصريّة، وهي أيضا متقاربة من حيث الصّحة، وهي نسخ جيّدة يمكن الاعتماد عليها، وأخطاؤها قليلة محتملة، ليست بالكثيرة ولا الفاحشة.
النسخة الأولى (ص): وتقع في (١٨٦) ورقة، محفوظة بالدار تحت رقم (٣٠٣٩ تصوف)،
تم نسخها سنة (٨٣٦ هـ)، أي بعد وفاة المؤلف بنحو أربعين سنة، وهي أقدم النسخ الثلاث، جاء في آخرها:
«تمّ الكتاب بحمد الله وعونه وحسن توفيقه، والحمد لله وحده، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا. آمين.
وذلك سلخ سنة ستّ وثلاثين وثمانمائة، حسبنا الله ونعم الوكيل».
وهي أفضل النسخ الثلاث على الإطلاق كتبت بخطّ نسخي معتاد، وتمتاز بتشكيل الكلمات بالقلم، وقد سقطت منها بعض الأوراق القليلة، فتمّ نسخها في الدار بخطّ حديث.
وهي تعدّ الأصل، الذي اعتمدت عليه، وإن كنت قد خالفته في مواضع إلى ما في النسختين الأخريين أو أحدهما حيث يترجح لي خطأ
1 / 13
ما في الأصل، ثمّ إنني أشير إلى ذلك في الحاشية غالبا، وقد أكتفي بوضوح الخطإ عن أن أشير إليه.
النسخة الثانية (ب): وتقع في (٢٢٠) ورقة، تمّ نسخها سنة (١٠٩٧ هـ)،
جاء في آخرها:
«وكان الفراغ من كتابة هذه النسخة المباركة يوم السبت المبارك، سابع عشر ذي الحجة سنة (١٠٩٧) على يد أفقر العباد إلى الكريم
عبد الجوّاد بن خضر الإبياري، غفر الله له ..».
كتبت بخطّ نسخيّ معتاد، وهي جيّدة على تأخّرها.
النسخة الثالثة (أ): وتقع في (٢٤١) ورقة: محفوظة بالدار تحت رقم (١٤٧٣ تصوف).
وهي نسخة متأخّرة، تم نسخها سنة (١٢٠٤ هـ)، جاء في آخرها:
«وقت كتابته: ضحوة الإثنين، لأربع عشر ليلة مضين من جمادى الأولى، أحد شهور سنة ١٢٠٤ من الهجرة النبويّة، على مهاجرها الصلاة والسّلام».
كتبت بخطّ نسخيّ جيّد، وهي على تأخّرها جيّدة، وقد سقط من مصوّرتنا بعض أوراقها، فاستدركناها من النّسختين الأخريين.
هذا؛ وقد استفدت من النّسخة المطبوعة، وقد طبع في مصر سنة ١٣٤٣ هـ بتصحيح محمد الزهري الغمراوي، وهي طبعة جيّدة للكتاب،
1 / 14