الصناعة في الحضارة الإسلامية
كانت الصناعة عند المسلمين في غاية التميز، فالورق وإن كان الورق صناعة صينية إلا أنه تطور جدًا في البلاد الإسلامية، وبرع المسلمون في عدة مدن إسلامية كسمرقند وكدمشق وكبعض المدن الموجودة في الأندلس في صناعة الورق، حتى إن باباوات إيطاليا كانوا لا يكتبون أناجيلهم إلا على الورق المستورد من الأندلس، لفخامة هذا الورق، ودقة وجودة نوعية هذا الورق.
أيضًا: أوروبا لم تعرف السكر إلا عن طريق المسلمين، ولم تعرف النسيج الجيد بالصناعة المبهرة وباللون الذي يستطيع أن يعمّر فترة طويلة من الزمان إلا عن طريق المسلمين، بل إن المسلمين صنعوا وأتقنوا صناعة الجليد، فقد اشتهر في التاريخ أن أحد الخلفاء العباسيين أراد أن يحج من بغداد إلى مكة في عمق الصحراء وفي الجو الحار هذا، فاصطحب معه الثلج من بغداد إلى مكة، وعنده أشياء تحفظ الماء في حالته الثلجية حال مروره بهذه الصحراء شديدة الحرارة.
هذه فقط بعض الأمثلة، فأنا أفتح لكم الفرع ثم أتركه إلى غيره؛ لأن الموضوع يحتاج إلى تفصيلات دقيقة في كل فرع من فروع العلوم الإنسانية بصفة عامة.
وهناك علوم كثيرة لم نتحدث عنها كعلوم الاجتماع وعلوم الفيزياء، وعلوم كثيرة جدًا لم نذكر تفصيلات فيها ولم نمر عليها؛ لكون الوقت لا يتسع لمثل هذه الدراسات المتخصصة.
ولو تصورنا شكل مدينة قرطبة سنة (٣٥٠) هـ منذ أكثر من ألف سنة، من أيام عبد الرحمن الناصر ﵀ والحكم بن عبد الرحمن الناصر ﵀، فمدينة قرطبة في ذلك الزمن كان فيها (٢٨) ضاحية، كانت مدينة هائلة بكل المقاييس، وكان فيها ثلاثة عشر ألف دار، وكان فيها نصف مليون مواطن، فقد كانت المدينة الثانية على مستوى العالم في تعداد السكان، والمدينة الأولى: هي مدينة بغداد فعدد سكانها ثلاثة ملايين، والثالثة: إشبيليا أربعمائة ألف، هذه هي أعظم مدن في العالم، وأكثر مدن العالم كثافة وحضارة، وكانت تسمى قرطبة بجوهرة العالم، فكانوا إذا أرادوا أن يشاهدوا شيئًا من جمالها سواء من المسلمين أو من غير المسلمين ذهبوا إلى قرطبة وإلى مدينة الزهراء وهي فرع من فروع قرطبة أو حي من أحياء قرطبة، وشاهدوا هناك قنطرة قرطبة، ومسجد قرطبة، ومكتبة قرطبة، وجامعة قرطبة.
والشوارع في قرطبة في ذلك التاريخ كانت مرصوفة بالحجر، وكانت الشوارع مضاءة ليلًا، وفي القرن الحادي والعشرين الآن هناك بعض القرى غير مضاءة، ومدينة قرطبة منذ ألف سنة كانت مضاءة ليلًا، وكان فيها أسواق متخصصة، فهناك سوق للسلاح، وسوق للذهب، وسوق للكتب، وسوق للزهور، وهناك أسواق لأشياء غريبة، فالزهور النادرة لها سوق خاص، والحيوانات النادرة لها سوق خاص، وهناك سوق للأوراق وأنواع الأوراق، وسوق للصناعات الكيميائية، وسوق للأدوية وغير ذلك، فقد كانت أكثر المدن علوًا في مجال الاقتصاد في ذلك الزمن.
9 / 14