ثم دعا الملك القادمين إلى وليمة غداء، فأكلوا هنيئا وشربوا مريئا، ثم مضوا جميعا يفكرون في الغد القريب والغد البعيد، وباتت نباتا أول مرة منذ عشرة أعوام فرحة مستبشرة يعمر قلبها الأمل.
كفاح أحمس
1
لم تكن حياة الأسرة الفرعونية في المهجر حياة دعة وخمول، ولكنها كانت حياة عمل وإعداد للمستقبل البعيد، ومدارها جميعا قلب توتيشيري الذي لا يعرف اليأس أو الراحة، فطلبت منذ بدء قدومها إلى رءوم حاكم الجنوب أن يدعو إلى نباتا مهرة الصناع النوبيين والفنيين المصريين المقيمين بالنوبة، فبعث الرجل برسله إلى أرقو وأطلال وغيرهما من بلاد النوبة، وجاءوه بالصناع والعمال، وأوجبت الملكة الكبيرة على ابنها أن يعهد إليهم بصنع السلاح والخوذات والثياب الحربية، وبناء السفن وعجلات القتال، وقالت له تشجعه: «ستعمد يوما إلى الهجوم على العدو الذي اغتصب عرشك وامتلك بلادك، فينبغي إذا جاء هذا اليوم أن تهجم بأسطول كبير، وقوة عجلات لا تقهر كما فعل العدو مع أبيك».
وتحولت نباتا في أثناء السنوات العشر إلى مصنع كبير لصناعة السفن والعجلات والآلات الحربية بأنواعها جميعا، ونمت ثمارها على مر الأيام فكانت دعائم الأمل الجديد، ولما جاء الرجال مع القافلة الأولى، وجدوا ما يحتاجون إليه من السلاح والعتاد راهنا موفورا، فأقبلوا على التدريب بقلوب تملؤها الحماسة والأمل الصادق، فانخرطوا جميعا غداة وصولهم إلى نباتا في سلك الجندية، وتدربوا على فنون القتال واستعمال الأسلحة المتنوعة تحت إشراف ضباط الحامية المصرية، فلم تأخذهم في التدريب هوادة، فكانوا يعملون من مطلع الفجر حتى غروب الشمس.
كانوا يعملون جميعا لا فرق بين كبير وصغير، فكان الملك كاموس يشرف بنفسه على تدريب الجند وتكوين نواة الفرق المختلفة ويختار الصالحين للأسطول، يعاونه ولي العهد أحمس، وأبت الملكات الثلاث والأميرة الصغيرة إلا أن يعملن مع العاملين، فكن يثقفن السهام ويرشنها، أو يشتغلن بحياكة الثياب الحربية، وكن لا يفتأن يختلطن بالجنود والصناع ويؤاكلنهم ويشاربنهم ليشجعنهم ويثبتن قلوبهم، وما كان أروع منظر الأم توتيشيري وهي مكبة على عملها بهمة لا تعرف الملل، أو سائرة بين الجنود تشاهد تدريبهم وتلقي عليهم كلمات الحماسة والرجاء، وكان الرجال يرونها فينسون أنفسهم وينفضون حماسة وإقبالا، فتبتسم المرأة استبشارا، وتقول لمن حولها: إن السفن والعجلات تنقلب مقابر لمن عليها إذا لم تدفعها قلوب أشد صلابة من حديدها .. انظروا إلى رجال طيبة كيف يعملون؟ سوف ينقض الواحد منهم على عشرة من الرعاة ذوي اللحى القذرة والبشرة البيضاء، فيطير أفئدتهم.
والحق قد انقلب الرجال بقوة الحماسة والحب والبغضاء وحوشا ضواري!
وانصرف الحاجب حور إلى إعداد القافلة الثانية، فضاعف لها السفن، وملأها بالذهب والفضة والأقزام وغريب الحيوان، وارتأت الأم توتيشيري أن يحمل معه جماعات من النوبيين المخلصين ليهديهم إلى سادة طيبة ليكونوا عبيدا في الظاهر وأعوانا في الباطن، يطعنون العدو من الخلف إذا اشتغل يوما باشتباك معهم، وقد راقت الفكرة الملك كما راقت الحاجب حور، وعمل على تحقيقها بغير تردد.
وانتهى حور من الإعداد لقافلته واستأذن في السفر، وكان الأمير أحمس ينتظر تلك الساعة بقلب أضناه الشوق وعناه الجوى، فاستأذن في الرحيل على رأس القافلة، ولكن الملك وقد علم بما وقع له من الأحداث وما تعرض له من الأخطار، أبى أن يجازف بسفره مرة أخرى بغير داع، فقال له: أيها الأمير، إن واجبك الآن يدعوك إلى البقاء في نباتا.
فبغت الأمير بقول أبيه الذي ألقى على الأمل المضطرم في صدره كما يلقى الماء البارد على الجمرة المستعرة، وقال له برجاء صادق: إن رؤية مصر والاختلاط بأهلها شفاء من أدواء ابتلي بها قلبي.
Halaman tidak diketahui