فقال بقحة: نعم أيها العبد، وسأقتلك بيدي هذه المرة شر قتلة.
فسأله إسفينيس في هدوء: وأنا لا أخشى نزالك، ولكن هل تعد بألا تمس قافلتي بسوء مهما تكن عاقبة المبارزة؟
فقال القائد باحتقار: سأترك القافلة احتراما لمشيئة مولاي فتسير دون جثتك. - وأين تريد القتال؟ - على ظهر سفينتي.
فلم ينبس الشاب بكلمة، وقفز إلى قارب وجدف بساعديه القويين حتى بلغ سفينة القائد، ثم ارتقى السلم إلى سطحها ووقف أمام عدوه وجها لوجه، فألقى عليه القائد نظرة قاسية وقد أغضبه ما يبدو على وجهه الجميل من الهدوء والثبات والاستهانة، وأشار إلى جندي من الجنود فأعطى الشاب سيفا وترسا، وقال له القائد وهو يتحفز للقتال: لا رحمة اليوم فدافع عن نفسك، ثم هجم عليه كالوحش الضاري فاشتبكا في قتال عنيف وسط دائرة واسعة من الجنود المدججين بالسلاح؛ وعلى مقدمة السفينة الأخرى وقف لاتو وأحمس يشاهدان المعركة ببصر زائغ .. وتتابعت ضربات القائد فصدها إسفينيس بمهارته الفائقة، ثم وجه إلى خصمه ضربة شديدة سقطت على ترسه فصكته بعنف بدا عليه أثره، فانتهز الشاب الفرصة وبدأ هجومه عليه بشدة وحذق، فاضطر القائد إلى التقهقر، وجعل يدفع عن نفسه الضربات التي يسددها له خصمه المقتدر الذي لم يهيئ له فرصة يستريح فيها أو يعاود الهجوم، وتبدى الحنق على وجه الرجل وصر بنواجذه بغضب جنوني، فارتمى على خصمه يائسا، ولكن الشاب تفادى منه ووجه إليه ضربة رشيقة أصابت عنقه، فتخاذلت يداه، وكف عن القتال، وترنح كالثمل ثم سقط على وجهه يتخبط في دمه، فصرخ الجنود صرخة غاضبة، وسلوا سيوفهم الطويلة وتحفزوا للانقضاض على الشاب لدى أول إشارة تصدر من الضابط الذي على رءوسهم، فأيقن إسفينيس بالهلاك وأدرك عبث المقاومة ولا سيما أن كثيرين كانوا يسددون نحو قلبه قسيهم، فلبث يترقب مذاق الموت مستسلما وعيناه لا تفارقان القائد الطريح أمامه، وفي تلك اللحظة المزعجة الراهنة سمع صوتا قريبا يصيح بغضب: أيها الضابط مر جنودك أن يغمدوا سيوفهم!
وخيل إليه أنه يعرف الصوت فانخلع قلبه في صدره، والتفت إلى مصدر الصوت فرأى سفينة فرعونية تكاد تلتصق بسفينة الموت وعلى حائطها تتكئ الأميرة أمنريدس، تلوح على وجهها الجميل آي الغضب. •••
وأغمد الجنود سيوفهم وأدوا التحية، فحنى إسفينيس هامته إجلالا قبل أن يفيق من دهشته ويصدق حقا أنه نجا من الموت، وسألت الأميرة الضابط قائلة: هل قتل القائد رخ؟
فاقترب الضابط من القائد ووضع يده على قلبه وتفحص عنقه، ثم وقف قائلا: أرى جرحه شديد الخطر يا صاحبة السمو، ولكن به نفس يتردد.
فسألته ببرود: وهل كان القتال عادلا؟ - نعم يا صاحبة السمو.
فقالت الأميرة بغضب: كيف إذن سولت لكم نفوسكم الهم بقتل رجل أعطاه الملك الأمان؟
ولاح الارتباك في وجه الضابط ولم ينبس بكلمة، فقالت الأميرة بلهجة آمرة: أطلقوا سرح هذا التاجر وعودوا بالقائد الجريح إلى أطباء القصر!
Halaman tidak diketahui