Usaha Teater Qabbani di Mesir
جهود القباني المسرحية في مصر
Genre-genre
بعد هذا الاستهلال المؤثر مهدت الجريدة لموضوعها بشرح معنى التمثيل المسرحي الذي يهذب الأخلاق ويحسن الطباع، ويصل بجمهوره إلى درجات الكمال؛ لأنه يرى ويسمع القصص التاريخية ذات المعاني القويمة والعظات الإيجابية ... إلخ هذا التمهيد السامي لمعنى التمثيل المتطابق مع رسالة القباني المسرحية، وكأن الجريدة تتحدث بلسان القباني نفسه، ولكن الجريدة أظهرت عكس ذلك تماما! قائلة: «ولكن من سوء الحظ رأينا التشخيص العربي في تياترو جنينة الأزبكية جاريا على ما يفسد الآداب ويهتك حرمتها، وينزع من القلوب تلك المبادئ الشريفة التي استغرق غرسها السنين الطوال.»
وهذه العبارات أثارت فضول القارئ! فأي تمثيل مسرحي - في هذا الوقت - من الممكن أن يفسد الآداب، ويهتك الحرمات، وينزع من الإنسان مبادئ الشرف؟ علما بأن فرقة القباني - رغم عدم ذكر اسمها - هي التي تمثل في مسرح حديقة الأزبكية في هذا الوقت! ويجيب الكاتب بأن التمثيل المقصود هو تمثيل الرجال! ذلك التمثيل الذي اقشعر منه بدنه عندما رأى رجالا حالقي شواربهم ولحاهم يمثلون أدوارا نسائية، ويتلفظون بعبارات «يا قلبي ... يا روحي»، وهي عبارات لا يمكن أن تقال في محفل أدبي، كما ذكر كاتب المقالة!
ومن البين أن معطيات الكاتب لا تؤدي إلى النتائج التي استخلصها؛ لأن العبارات التي استهجنها تقال في موضوع مسرحي يتطلبه الموقف الدرامي. كما أنها عبارات مستساغة لا خروج فيها على التقاليد أو الآداب العامة. وحتى يؤثر الكاتب في قرائه ذكر أن المسرح محفل أدبي، وهو اسم يطلق مجازا على المسرح، ولكنه يختلف عن معنى المحفل الأدبي المرتبط بالندوة أو الاجتماع أو ... إلخ؛ لذلك أضاف الكاتب انطباعات أخرى قدمها إلى القراء من أجل الوصول إلى موقف شرعي ديني عندما قال: «ويا ليت أصحابنا اقتصروا على ملابس النساء ... بل رأينا منهم من التهتك، وخلع العذار، والإفراط في الغنج، وعدم المبالاة بالأدب، ما ألجأنا إلى أن نحرم حضور الناس في تشخيصهم.»
هكذا استطاع الكاتب التأثير على القراء، وضمان إجماع موقفهم ضد هذا التمثيل المسرحي المشين الذي يحدث في مسرح حديقة الأزبكية، بعد أن نصب نفسه مفتيا، فأفتى بتحريم حضور الجمهور لمشاهدة التمثيل الذي يعرض في هذا المسرح. ولكي يضمن الكاتب تطبيق فتواه من قبل الجمهور نبش ماضي هؤلاء الممثلين وفجر مفاجأة لم تكن في الحسبان، عندما أقنع قراءه بأن فتواه هذه يوجهها ضد ممثلين غير مصريين، بعد أن طبقت - من قبل - الفتوى عينها على هؤلاء الممثلين أنفسهم قائلا: «على أن هؤلاء المشخصين ليسوا بمصريين، بل هم من بعض المطرودين من سوريا؛ لأن حضرة والي الشام لما رأى منهم هذه الأحوال، وعرف عواقبها، منعهم من التشخيص، وشدد عليهم اللوم لدخولهم في صنف النساء مع أنهم رجال.»
وتعد هذه المقالة أقدم قول منشور عن قصة منع القباني من التمثيل في سورية، بما فيها من حقائق اختلف حولها الباحثون المحدثون ممن قالوا إن فرمانا أصدره السلطان العثماني بمنع القباني من التمثيل.
154
والحقيقة أن والي الشام هو الذي أصدر هذا المنع - وربما شفاهة - من غير إصدار وثيقة مكتوبة بذلك،
155
وإلا كانت الجريدة عزفت على هذا الوتر ألحانا هجومية قاسية. كما أن سبب المنع في سورية لم يكن ظهور الخليفة هارون الرشيد في صورة كوميدية، أو أن بعض المشايخ حرموا التمثيل بصفة عامة ... إلخ ما ذكره الباحثون.
156
Halaman tidak diketahui