يقول: وخلق لكم. وقال: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾ ١، يقول: وخلقنا الليل والنهار آيتين. وقال: ﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ ٢، وقال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ ٣، يقول: وخلق منها زوجها، يقول: خلق من آدم. وقال: ﴿وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ﴾ ٤، يقول: وخلق لها رواسي، ومثله في القرآن كثير، فهذا وما كان على مثاله لا يكون إلا على معنى خلق.
"ثم ذكر جعل على معنى غير خلق قوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ﴾ ٥، لا يعني: ما خلق الله من بحيرة ولا سائبة، وقال الله لإبراهيم: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ ٦، لا يعني: إني خالقك للناس إماما؛ لأن خلق إبراهيم كان متقدما ٧.
قال إبراهيم: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ ٨. وقال إبراهيم: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ﴾ ٩، لا يعني: اخلقني مقيم الصلاة. وقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ﴾ ١٠.
وقال لأم موسى: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ ١١ لا يعني: وخالقوه من المرسلين؛ لأن الله وعد أم موسى أن يرده إليها ثم يجعله من بعده رسولا، وقال: ﴿وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ﴾ ١٢ وقال: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾ ١٣ لا يعني: ونخلقهم أئمة، وقال: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ ١٤، ومثله في القرآن كثير.
"فهذا -وما كان على مثاله- لا يكون على معنى خلق، فإذا قال الله: "جعل" على معنى خلق، وقال: "جعل" على غير معنى خلق، فبأي حجة قال الجهمي جعل على معنى خلق؟ فإن رد الجهمي الجعل إلى المعنى الذي وصفه الله فيه، وإن كان لا كان من الذين يسمعون كلام الله، ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون.
فلما قال الله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ ١٥ يقول: "جعله عربيا" جعله جعلا على معنى فعل من أفعال على غير معنى خلق، وقال في سورة الزخرف: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ١٦، وقال: ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ ١٧، وقال: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾ ١٨.