قال الجاحظ: وهذا من أكذب الكذب، ومن الجائز أن يكون الأعرابي قد كذب على الجاحظ في وصفه لشجاع الحيات، ولكن من المحقق أن لشجاعنا الإنسي رأسين، وأنه يفطر بأحدهما، ويتغذى بأحدهما الآخر، أو قولي إن شئت يا سيدتي: إن له لونين من ألوان الغذاء، وقد خصص لكل لون منهما رأسا من رأسيه هذين فله غذاء مادي يأتلف من هذا المال الذي يجمعه شيئا فشيئا، ويحصله قليلا قليلا، ويضم بعضه إلى بعض في أناة ورفق وانتهاز للفرص، وله غذاء معنوي يمازجه شيء من المادة هو هذه الدرجات التي سعى لها منذ اتصلت أسبابه بأسباب العمل في الدواوين، فهو يلتمسها في أناة ورفق وانتهاز للفرص، كما يلتمس غذاءه المادي ذاك، وما أكثر الذين يتاح لهم أن يعملوا في دواوين الحكومة أو غيرها من مكاتب الأعمال العامة، ويعنون مع ذلك بجمع المال، وتدبير الثروة، والاستكثار مما يتيح لهم الغنى، ويملأ أيديهم من حطام الدنيا، ولكن المهم الذي يمتاز به صاحبنا، ويشبه به الشجاع شبها قويا، والشجاع ذا الرأسين، هو طريقته في جمع المال، وتدبير الثروة، وطريقته في التماس المناصب، وابتغاء الوسائل إلى الرقي في درجاتها المختلفة، فهو لا يسعى في ذلك كما يسعى الناس، وإنما يتأتى له كما يتأتى الشجاع للفريسة التي يعمل فيها نابيه، وينفث فيها سمه الناقع.
وقد زعم بعض الصقالبة للجاحظ أيضا أن من الحيات ما يلتف على البقرة الحلوب التفافا حتى يبلغ ضرعها فيرتضعه في شره، وما يزال يشرب ما فيه من لبن حتى يمتلئ وينتفخ ويتراخى، وإذا هو يترك البقرة، ويستلقي سكران من كثرة ما شرب، ولكنه قد اضطر فريسته إلى الهلاك.
وكذلك يفعل صاحبنا في جمعه للمال حين يجمعه، وفي التماسه للمنصب حين يلتمسه، يرى الفريسة أمامه فينظر إليها، ويصل بها نفسه وقلبه وعقله، ثم يثب إليها حين تمكنه الفرصة ثم يلتف عليها، وما يزال يمتصها امتصاصا، ويرتضعها ارتضاعا حتى يأتي على آخر ما عندها. أورثته أسرته ثروة متواضعة ليست بذات غناء، ولكنه لم يقنع بها، ومتى قنع الناس بما يتاح لهم من أعراض الدنيا، لم يقنع بها وإنما طمع في تنميتها، وفي تنميتها على حساب جيرانه، وخلانه، وذوي مودته، والذين كانت بينهم وبين أسرته صلات المحبة والألفة وحسن الجوار، فأطرق إطراق الشجاع، وجعل ينتهز الفرصة حين تسنح، ويتربص الدائرة حين تدور، ويرقب النائبة حين تنوب، فلا تزال عينه ناظرة إلى ما حوله من أرض جيرانه، ولا تزال نفسه متصلة بها حتى تعرض حاجة جار من جيرانه إلى بعض المعونة إلى ما يحتاج إليه صاحب الأرض من هذا القرض الذي يؤدي به الحق حين يلزم، ويدفع به الخطب حين يلم. هنالك يرفع الشجاع رأسه من إطراقه، وهنالك يكون الأطماع ويكون الامتناع، وهنالك يكون الدنو ويكون النأي، وهنالك يكون القرب، ويكون الهجر، والحاجة ملحة على جاره، ولعله أن يشارك في جعل هذه الحاجة ملحة مشتدة في الإلحاح، وما يزال بجاره يبدي له المال ويخفيه عنه، حتى إذا وجد مساغا لنابيه أدى المال، وأخذ مكانه رهنا مقبوضا.
وكذلك أنفق حياة طويلة يداعب جيرانه هذه المداعبة المرة، ويلاعبهم هذه الملاعبة البغيضة، حتى ضم أرضهم إلى أرضه، ومالهم إلى ماله، وحتى ردهم فقراء بعد غنى، وأشقياء بعد سعادة، ومحتاجين إلى الرفق والعطف بعد أن كانوا يبذلون الرفق والعطف، وإذا هو سيدهم، وقد كان واحدا منهم، وإذا هم يدينون له بالطاعة، ويلجئون إليه عند الملمات، ويعملون في أرض كانت لهم فأصبحت له، وأصبحوا هم لها وله في وقت واحد.
وإذا هو يستكبر ويستعلي ويطغى ويبغى ويشق على من كانوا له أكفاء فأصبحوا له أجراء، وكذلك عمل أحد هذين الرأسين في الازدراد والالتهام لكل ما كان حوله من المال والثراء، ينتهز الفرصة كلما سنحت، ويخلقها إذا لم تسنح، ويبذل الحيلة كل الحيلة في خلقها وابتكارها إن امتنعت عليه، وهو على هذا كله هادئ وادع مطمئن، يشيع في قلوب الذين يرونه أمنا وأنسا ودعة ورفقا، حتى إذ عضهم بنابيه عرفوا كيف تكون مساورة الحيات، ولو كان لهم حظ من ثقافة أو أدب لأنشد كل واحد منهم قول النابغة:
فبت كأني ساورتني ضئيلة
من الرقش في أنيابها السم ناقع
وأما رأسه الثاني: فيعمل في القاهرة، يستقر في مكتب من المكاتب وفي ديوان من الدواوين، كما يستقر الشجاع في جحره، أو يطرق كما يطرق الشجاع في كثيب من رمال الصحراء، يسعى هادئا كما يسعى النسيم، وينساب رفيقا كما ينساب ماء الينبوع، وهو على ذلك حذر ماكر يرقب الفرصة، ويسعى بالكيد، ويفرق بين الصديق، ويغري بالزميل حتى إذا أمكنت الفرصة، ووجد مساغا لنابيه صمم وأحسن التصميم ، ووثب إلى فريسته فانطوى عليها كما ينطوي شجاع الجاحظ على البقرة الحلوب، وما يزال يمتص فريسته حتى يأتي على آخر ما عنده، وإذا هو ارتقى من منصب إلى منصب، ووثب من درجة إلى درجة، وقفز من مرتبة إلى مرتبة، وإذا الذين كانوا له رفاقا وزملاء قد أصبحوا له مرءوسين يجدون في طاعته، ويصدرون عن أمره، وقد ملأ الجو من حوله مكرا وكيدا وخبثا ودهاء، ونفث السم في البيئة كلها كما ينفث الشجاع سمه في الفريسة حين يظفر بها.
وأخص ما يمتاز به الشجاع أنه على ما يظهر من لينه ورخاوته وتهالكه ومرونة جسمه شديد الأيد لا يعيا بشيء، وأقوى ما فيه أنيابه ومعدته، فأنيابه لا يعييها شيء، ومعدته لا يعجزها قضم، وهو من أجل ذلك لا يتعب، ولا يبلغه الجهد مهما يحاول من أمر، ومهما يتكلف من مشقة، وهو من أجل ذلك لا يرضى مهما حقق من أمل، ولا يقنع مهما يبلغ من أرب، وهو لا يمضغ دائما، ولكنه يمضغ حينا ويزدرد أحيانا، ويهضم على كل حال، وأمر صاحبنا كأمر الشجاع في هذا كله، فرأسه العامل في القرية لا يطرق إلا ليثب، ورأسه العامل في القاهرة لا يطمئن إلا ليثور، ومعدته مضطربة دائما بهذا الهضم المتصل الذي لا يذر شيئا أتى عليه إلا جعله كالرميم.
وللشجاع صفير يؤذي، وفحيح يخيف، ولو قد سمعت صاحبنا يا سيدتي حين يعبث به الطمع، ويحركه الإغراء، وتدعوه الفريسة إلى القضم والهضم، لسمعت صياحا منكرا وجئيرا بشعا، ليس أقل نكرا ولا بشاعة مما يبعثه الشجاع حين يتهيأ للوثوب من صفير وفحيح.
Halaman tidak diketahui